كيف بدأت عملية خوجالي

بدأت عملية خوجالي في الساعة 11 من ليل 25 شباط، أي بعد بضع ساعات على إبلاغ مطاليبوف بمجزرة المدنيين في خوجالي. وتبين بوضوح، بعد حوالى ساعتين ونصف الساعة، عبر تبادل الرسائل الإذاعية بين موظفي الإذاعة الآذريين ان العسكريين كانوا يغادرون المدينة بصحبة المدنيين. وحدة عسكرية واحدة لا غير حصّنت مواقعها داخل مبنى من أربع طبقات وتأهبت للمقاومة، لكن بعضاً من الجنود كانوا في الساعة 4 من صباح 26 شباط قد أبيدوا، واستسلم آخرون.
هل من الممكن إذن أن تكون الإمدادات قد أرسلت من خوجالي، التي كانت حينذاك تحت سيطرة الوحدات العسكرية التابعة للجبهة الشعبية؟ الواقع أن خوجالي كانت محاصرة من الجهات الأربع، ولم تكن تحصيناتها الدفاعية، من وجهة النظر العسكرية، منيعة. وكانت الاتصالات بين خوجالي والتجمّعات السكنية الأخرى في أذربيجان، وفي اغدام بنوع خاصّ، مؤمنة من طريق المروحيات. وحلّق الطيران للمرة الأخيرة باتجاه خوجالي، قبل سيطرة قوات كاراباخ على المدينة، في 13 شباط. وبقي في خوجالي منذ 25 شباط، وفق تقديرات مختلفة، ما يقارب الـ 3000 مقيم، وكان قائد فصيلة طوارئ المطار، عارف حاجييف، مكلفاً حماية المدينة بمساعدة 160 جندياً من جنوده.
ومن ناحية أخرى، تستحيل معرفة سبب عدم انسحاب المدنيين، بينما كانت ظاهرة سقوط خوجالي واضحة تماماً في نظر الجانب الآذري. لعل أحد الأسباب الكامنة وراء ذلك يعود إلى الوضع الداخلي المضطرب في أذربيجان. إذ لم تكن هناك قيادة عسكرية موحّدة، على الرغم من أن القوات الآذرية المحتشدة في اغدام كان بوسعها تقديم الدّعم للمدافعين عن خوجالي. وفيما يلي مقتطف من مقابلة أجريت مع رحيم غازييف:
“لماذا لم يتأمّن الدعم لسكان خوجالي في وقته؟
“منذ 25 شباط، كان هناك 12 دبابة ت 72، و12 آلية مؤللة، و4 قاذفات صواريخ غراد، و40 مدفعاً و2500 جندي في اغدام. كل هذه القوى، كان من الممكن توجيهها لحماية خوجالي، لكن لم يتم تقديم أي دعم لها”.
“لماذا لم يتم ذلك؟”
“لا أعلم. كان يكفي فتح النار من منظومة غراد. كان ثمّة قناص باستطاعته إصابة أي هدف. هل يمكنك أن تتصور ذلك؟ لكن ثبت أن منظومة الغراد اختفت”.
“ان صح ظني، فإن تامرلان غازييف وفهمي حاجييف كانا في اغدام في ذلك الحين…”
“أجل. وكان طاير علييف القائد المسؤول عن جبهة كاراباخ كاملة. وكنت أنا عُينتُ قائداً عسكرياً لشوشي، غير أني علمت بذلك القرار من خلال برنامج تلفزيوني. لم تكن في حوزتي وثائق، لا خاتم ولا أي عقد حسب الأصول”.
أثناء عملية خوجالي، كان طاير علييف وزير الدفاع، وقد تولى هذا المنصب لفترة قصيرة من الزمن. الحقيقة أن أربعة وزراء للدفاع تعاقبوا على هذه الوزارة في غضون ستة أشهر من عامي 1991-1992، وهذا يعتبر أمراً لا معقول بالنسبة إلى دولة تخوض الحرب. كان وزير الدفاع الأول هو الجنرال في الجيش السوفياتي فالح برشدلي. ثم ما لبث أن استبدل بتاج الدين مهتياف، الذي أجبر على الاستقالة عقب هزيمة كارنتاك، وأستعيض عن مهتياف بـ طاير علييف. وفي 17 آذار، عين رسيم غانرييف وزيراً للدفاع بعد عملية خوجالي واستقالة الرئيس مطاليبوف.
كتب مليك-شاه نظاريان يقول: “بعد الاستيلاء على خوجالي، عثر جنودنا على 11 جثة لمدنيين، ما عدا، طبعاً، الخسائر التي لحقت بالعسكريين الآذريين. وقد نقل إلى ستيبانكرت بضع مئات من المدنيين – 734 شخصاً على وجه الدقة – كان معظمهم من الأتراك المسخيت. واعتباراً من 28 شباط، سلم جميع سكان خوجالي الأسرى إلى الجانب الآذري”.
ومنذ 1989، أعيد إسكان الأتراك المسخيت في خوجالي. وكانت أذربيجان قد أعادت تدريجاً إسكان نحو ألف تركي مسخاتي أبعدوا من أوزبكستان إلى خوجالي، مما أدى إلى زيادة عدد سكان المدينة زيادة مصطنعة. وإذا كان في خوجالي، في 1989، حوالى 1600 نسمة، فإن عددهم ارتفع في 1991 إلى 6300، ومنحت خوجالي في ذلك العام نظام مدينة. يقول المحلّل السياسي دافيد بابايان أن خوجالي كانت، بحسب إحصاء 1926، قرية أرمنية بكاملها يقطنها 888 نسمة.
ويقول بابايان: “في خمسينات القرن الماضي، استهل الآذريون عملية الإسكان، وفي أوائل السّتينات نشأت قرية آذرية في خوجالي بجوار القرية الأرمنية. وبدءاً من 1977، لم يعد أحد يتحدث عن خوجالي الأرمنية إطلاقاً، بينما أصبحت خوجالي، منذ 1989 قرية آذرية برمّتها، وبلغ عدد الآذريين المقيمين فيها 1661 نسمة”.
لا شك أن المأساة الإنسانية الكبرى، في أيام حرب كاراباخ، كانت خوجالي. إذا لم يتفق، في أثناء أية عملية عسكرية أخرى، أن تكبد مثل هذه الأعداد الضّخمة من المدنيين، أطفالاً كانوا أو نساء، ما تكبدوه من ألوان العذاب في خوجالي. فما زال العدد الفعلي للقتلى موضع جدال إلى اليوم – حيث قدمت أرقام متضاربة، وما انفكت الجهات الحكومية في باكو تستغل مأساة خوجالي لأغراضها السياسية الخاصّة.
كم من القتلى لقوا مصرعهم في خوجالي؟ أرقام مختلفة عُرضت في أوقات مختلفة – فتراوح العدد بين 200 إلى أكثر من 600. ويعتبر توماس ده فال أن الرقم المعلن بالاستناد إلى أعمال البحث والاستقصاء التي قام بها مجلس النواب الآذري، هو 485 شخصاً، وهو الأقرب إلى الواقع. ويضم هذا العدد جميع الأشخاص الذين قتلوا أثناء عملية خوجالي، بمن فيهم الذين قضوا من البرد وهم يلوذون بالفرار.
وقال نامق علييف، أحد أعضاء اللجنة النيابية، لفريق ” هلسنكي وتش” في نيسان 1992، أن 213 مقيماً في خوجالي قد دفنوا في اغدام. وأكّد موظف حكومي آخر، هو آيدين رسولوف، لأعضاء الفريق نفسه أن عدد المدنيين القتلى تعدى الـ 300 نسمة – عدا أولئك الذين قضى عليهم البرد وهم في طريقهم إلى اغدام. وفي 27 شباط 1992، أبرز إمام مسجد اغدام للصحافي الأميركي توماس غولتز لائحة تتضمن 477 اسماً لأشخاص قتلوا. ونشرت صحيفة “أوردو” الآذرية، في السنة عينها، لائحة بأسماء 636 شخصاً لقوا مصرعهم في خوجالي.
وأصدر مجلس نواب كاراباخ الجبلية، في 4 آذار 1992، البيان التالي: “ان شل مواقع الأسلحة العائدة للوحدات الآذرية المسلحة وفتح المطار الوحيد في كاراباخ الكائن بالقرب من قرية خوجالي… أثارا ردة فعل واسعة النطاق في وسائل الإعلام الآذرية والأجنبية. وقد عمدت الوحدات المسلحة التابعة لجيش أذربيجان الوطني، والمرابطة في خوجالي إلى سد الطرق التي تربط منطقة اسكران في كاراباخ الجبلية بعاصمة الجمهورية بشكل كامل، وقصفت بصورة منتظمة ستيبانكرت والتجمعات الأرمنية الأخرى بالمدفعية الثقيلة. وكان من الممكن التغلب على المجاعة الناجمة عن الحصار من طريق تشغيل المطار وحسب. ورغم أن قوات الدفاع الذاتية في كاراباخ تركت ممراً لسكان خوجالي يتيح لهم مغادرة منطقة العمليات العسكرية، فإن شريحة من المدنيين لم تغتنم هي الأخرى هذه الفرصة، وإنّما تمت مواكبة هؤلاء جميعاً – وكانوا حوالى 20 شخص – بناء على رغبتهم ومن دون أي شرط مسبق إلى الجانب الآخر من الحدود. ومرة جديدة أعلنت رئاسة مجلس كاراباخ الجبلية الأعلى استعدادها لحل جميع المشاكل القائمة بين كاراباخ الجبلية وأذربيجان بالطرق السلمية وحدها، وحول طاولة مفاوضات”.
المصدر: خوجالي: لحظة الحقيقة، بقلم طاطول هاكوبيان، مقتطفات من كتاب طاطول هاكوبيان “أخضر وأسود: يوميات ارتساخ“، في شأن أحداث 25-26 شباط 1992 في خوجالي
