تمهيد حول نزاع كاراباخ الجبلية
يعود الصراع السياسي بين كاراباخ الجبلية (ناغورني أو العليا) وأذربيجان إلى عام 1918، عندما أسست لأول مرة في التاريخ دولة سميت أذربيجان مع تفكك الإمبراطورية الروسية. استؤنف النزاع في عام 1988، وتصاعد تدريجياً حتى وصل إلى المواجهة المسلحة، عندما ردّت أذربيجان بعنف على المطلب الشعبي والسلمي بأن يتم ضم منطقة كاراباخ الجبلية (ناغورني) إلى أرمينيا السوفييتية.
هذا ما حدث خلال انهيار الاتحاد السوفييتي، عندما عادت دول مستقلة حديثاً للظهور من جديد في جنوب القوقاز.
في عام 1988، قام إقليم ناغورني كاراباخ ذات الحكم الذاتي (منطقة كاراباخ الجبلية ذات الحكم الذاتي)، بتقديم التماس إلى الحكومة المركزية في موسكو يطلب ضمه إلى أرمينيا السوفييتية. مع العلم أنه كيان مستقل ضمن بنية أذربيجان السوفييتية ولكن تاريخياً يعتبر أراضي أرمنية.
ويهدف هذا الطلب القانوني والسلمي من أجل تقرير المصير إلى تصحيح “سياسة الجنسيات” التي قام بها ستالين عام 1921، والذي سعى إلى خطة “فرق تسد” من خلال تحريض الجنسيات ضد بعضها البعض حيث وضعت كاراباخ الجبلية وسكانها الأرمن قسراً (ونسبتهم أكثر من 95 %) في إطار السيادة الإدارية لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية. وعلى مدى السنوات 70 القادمة، عرّضت أذربيجان كاراباخ الجبلية لأشكال مختلفة من التمييز العرقي والديني والاقتصادي وسوء المعاملة والتلاعب الديموغرافي المتعمد مما أدى إلى التطهير العرقي.
اتسمت بداية حركة كاراباخ بتعبير واضح عن الإرادة عندما قام أكثر من 80 ألف شخص، خلال النصف الثاني من عام 1987، بالتوقيع على عريضة عبّروا فيها عن دعمهم لإعادة ضم كاراباخ الجبلية إلى جمهورية أرمينيا الاشتراكية السوفييتية. وهذا التعبير عن الإرادة وضع أساس مجلس نواب الشعب في منطقة كاراباخ الجبلية ذات الحكم الذاتي لعقد دورة استثنائية في 20 شباط 1988، لمناشدة المجلس الأعلى لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية على طلب سحبها من تركيبتها، وضمها إلى أرمينيا السوفييتية -لإعادة التوحيد- والاعتراف بهذا الانتقال.
قام الاتحاد السوفييتي وجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية بشكل تعسفي، بإنكار طلب كاراباخ الجبلية في تقرير المصير، متجاهلين كافة القوانين السوفييتية والدولية السارية.
وأعربت الإرادة الحرة للشعب في منطقة كاراباخ الجبلية للحكم الذاتي، وفقاً لحقهم الدستوري، عن إثارة الرد القاسي لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية، وتبع ذلك المذابح، والقتل الجماعي وعمليات التطهير العرقي في مدن “سومغايت”، و”باكو”، و”كيروفاباد”، و”شمخور”، و”مينغشور”، وفيما بعد في جميع أنحاء أذربيجان.
وفي محاولة لتنظيم الوضع، أنشأ مجلس السوفييت الأعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية سيادة خاصة في منطقة كاراباخ الجبلية للحكم الذاتي في 20 حزيران 1989، الذي وضع الأراضي تحت إشراف مباشر للحكومة السوفييتية المركزية مؤكداً بذلك عجز أذربيجان في ممارسة الرقابة الرسمية على كاراباخ الجبلية. وتم نقل الإشراف على الاقتصاد والهيئات الداخلية الإدارية والثقافية والمؤسسات التعليمية في منطقة كاراباخ الجبلية ذات الحكم الذاتي إلى المؤسسات المختصة في جمهورية روسية الاتحادية الاشتراكية السوفييتية وجمهورية أرمينيا الاشتراكية السوفييتية.
وبحلول نهاية عام 1989، لم تخضع منطقة كاراباخ الجبلية للحكم الذاتي لسيطرة أذربيجان الإدارية، فهي بحكم الأمر الواقع ليست ضمن أذربيجان الاشتراكية السوفييتية.
في الثاني من أيلول 1991، أعلنت كاراباخ الجبلية استقلالها. وتصاعد الموقف باتجاه النزاع المسلح عندما لجأت أذربيجان إلى العدوان العسكري في مسعى جاد لقمع النشاط في كاراباخ الجبلية. وأعقب هذا العنف الحرب بين الأعوام 1991-1994 في جمهورية كاراباخ الجبلية بتحريض من أذربيجان، التي تسببت بآلاف المصابين في جمهورية كاراباخ الجبلية، ودمرت ما يقدر بـ 80 % من الاقتصاد في جمهورية كاراباخ الجبلية.
ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1994، والنزاع يترقب قراراً نهائياً، سلمياً وعادلاً من خلال المفاوضات.
منذ عام 1992 باتت مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا هي الأداة الرئيسية لتحريك القرار في نزاع كاراباخ الجبلية، حيث سعت المجموعة إلى التوسط للتوصل إلى تسوية سلمية دائمة. وتتشكل مجموعة مينسك من الرؤساء المشاركين، وهم: الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، حيث تقدموا بسلسلة من المقترحات لحل الأزمة.
تتقيد جمهورية أرمينيا وجمهورية كاراباخ الجبلية بالوسائل السلمية من أجل تسوية النزاع، وتقدران أهمية خلق بيئة من الثقة الضرورية لمواصلة المفاوضات بطريقة بناءة.
كانت قيادة أذربيجان تؤكد دائماً وتهدد بأنه يمكن استعادة جمهورية كاراباخ الجبلية عسكرياً. وفي الأشهر الأخيرة، قامت جمهورية أذربيجان بتكثيف سياستها العسكرية المعتادة، وزيادة ميزانيتها العسكرية على نحو خطير وانتهاك قواعد الحد من التسلح المنصوص عليه بموجب المعاهدات الدولية.
إن لغة الحرب الطنانة التي اعتمدتها أذربيجان، لا تزال تزيد من التوتر في المناخ العام في المنطقة، وعلى أعلى مستوى.
المصدر: كتيب “نحو قرار عادل ومنصف حول نزاع كاراباخ الجبلية”، منشورات الهيئة الوطنية الأرمنية- الشرق الأوسط، بيروت، 2012.
من سلسلة (30 مادة تاريخية وأرشيفية حول كاراباخ، بمناسبة الذكرى الـ30 لحركة كاراباخ) التي ينشرها موقع “أزتاك العربي” تباعاً.
