كاراباخ دولة مستقلة سيدة…

يصادف هذا العام العيد الثلاثون لإستقلال جمهورية كاراباخ. مناسبة مميزة يحتفل بها الأرمن أينما وجدوا.
كانت مشكلة كاراباخ قد دخلت المسرح السياسي عام 1988، عندما طالب برلمان الاقليم ذو الغالبية الأرمنية بالانفصال عن أذربيجان والإلتحاق بالوطن -الأم أرمينيا وتصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكبه جوزف ستالين عام 1923 بضم كاراباخ الجبلية إلى أذربيجان، لكن هذا الطلب ما لبث أن جوبه بالعنف من قبل أذربيجان التي ارتكبت المجازر والتهجير بحق المواطنين ، تلتها هجمات على المناطق الأرمنية في كاراباخ أدت الى إندلاع معارك عنيفة بين الأرمن والأذربيجانيين ،انتهت عام 1994 بانتصار الأرمن في كاراباخ .
سمي الاقليم سابقا بناغورنو كاراباخ ، أما حاليا يدعى ” أرتساخ “.
تقدر مساحته بحوالي 11500 كلم2 أ، أما عدد سكانه فيقارب حوالي 150 ألف نسمة ، غالبيتهم الساحقة من الأرمن.
تقع جمهورية كاراباخ في القسم الجنوبي – الشرقي للقوقازالصغرى. تحدها من الغرب أرمينيا ومن الشمال والشرق أذربيجان وتضم الجزء الشرقي من مرتفعات كاراباخ ومن الجهة الغربية تنحدر نحو الشرق منتشرة على سهل نهر كور- أراكس الذي يشكل الجزء الأكبر من سهول كاراباخ.
بالواقع شكل انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 نقطة بداية لأرمن كاراباخ للبحث عن موقعهم وبلورة تطلعاتهم على ضوء المعطيات المستجدة .
نشير بأن كل الخطوات الاستقلالية والتحركات الشعبية من قبل الأرمن لإسترجاع أراضيهم قد التزمت الآلية الدستورية للإنفصال عبر التوجه المتكرر الى السلطات المركزية في موسكو ، واعتبرت قضية كاراباخ جزء لا يتجزأ من القضية الأرمنية .
بالتالي، فأجواء انهيار الماركسية دفعت بالمواطنين الأرمن لإعادة تركيز شرعية هويتهم القومية عبر مرتكزات ثلاثة :
-إن أرمن كاراباخ جماعة تاريخية حية ومتراصة تمتد جذورها الدينية والثقافية واللغوية والأدبية في عمق كيان الشعب الأرمني .
-أرضها الجبلية الصعبة لها هوية: هي تراثية مقدسة ،استمدت هويتهاوما زالت من جدلية التفاعل بين الشعب والأرض ،اعتبرت ملجأ للحريات مصدر عيش ومحفز للحياة .
-أما شعبها فقد برهن عبر الزمن قدرته على المجابهة والتصدي نتيجة تسلحه بالإرادة الصلبة بغية الحفاظ على الجذور وعلى الخصوصية ، رغم محاولات التذويب أو التصفية. وقد سعى هذا الشعب لتجسيد هويته في كيان سياسي ، يستمد شرعيته من حقه التاريخي ، وحقه في تقرير مصيره .
فلو عدنا بالتاريخ الى الوراء لاكتشفنا أن مشكلة كاراباخ تتمحور حول مفهوم قانوني دولي الا وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها في كيان سياسي مستقل ، والحفاظ على هذا الكيان تجاه كل الأخطار الممكنة .
بعد العام 1994 ، أخذ الإقليم يبني مؤسساته بوصفه دولة مستقلة عاصمتها ستيباناكيرد ، وأقر دستورا في نهاية العام 2006 ، كما أجريت فيه إنتخابات منتظمة.
امام هذا الوضع، ترفض أذربيجان الاعتراف بواقع الأرمن الجديد. هذا يعني أن تتخلى أذربيجان عن ” حق مكتسب ” حصلت عليه عام 1923 ، وأن ليس لها عندها أي مبرر لمطالبة مستقبلية محتملة بأراض تعتبرها أذربيجان جزءا من كيانها التاريخي – الجغرافي . وقد لا ننسى أن مثل هذا التخلي ، من الناحية الجيوسياسية ، قد يقطع كل إمكانية لخط اتصال بري مع تركيا. موازاة لا تزال مجموعة ” مينسك ” تقوم بوساطات لحل النزاع بين أرمينيا وأذربيجان.
بالفعل لم يتحقق استقلال كاراباخ إلا وفق شروط ومعايير قانونية محلية ودولية.
واستنادا الى القانون الدولي، تعتبر دولة مستقلة إذا توفرت فيها الشروط التالية : ومنها أن تكون الأراضي مرسومة الحدود ، سكانها دائمون ، يشكل نظامها الاداري من خلال الهيئات السياسية العامة ، كما تمارس صلاحياتها بشكل متواز مع الحفاظ على الحوار المفتوح مع الدول الأجنبية.
وقد نجحت كاراباخ في هذا الإطار في خلق كافة الخصائص والهيئات الضرورية من أجل تشكيل دولة مستقلة. وأضحى الاقليم دولة مستقلة بمبادئها وهيئاتها السياسية الخاصة بها وسلطتيها التنفيذية والتشريعية وقواتها المسلحة ورموزها.
وقد أثبتت الجمهورية عبر الزمن أنها قادرة على تعزيز الأمن القومي والاسهام في التنمية الاقتصادية للبلد ، وبينت أنها تسعى وتستطيع أن تقود مشاركة دولية أوسع .
أشارت الدراسات أن أقوى حجة لتقرير مصير كاراباخ هي أن دولة أذربيجان فشلت في خلق ظروف ملائمة وإطار لتطوير كاراباخ بشكل ديموقراطي وحر على كافة الأصعدة.
إذا النزاع القائم في الإقليم ليس إلا أحد أبرز الأمثلة على الصراعات المحلية القائمة على خلفيات الاختلاف العرقي – الثقافي والحضاري والذي تم إذكاؤه بالتدخلات الخارجية بسبب تقاطع المصالح الإقليمية والدولية.
من هنا نتساءل : متى تتوقف الاشتباكات ومعها النزف اليومي في مناطق الحدود، وكيف ستحل المشكلة سياسيا في محور التدخلات الخارجية ؟
بالطبع ، إن المساعي الدولية في حل المسألة لن تفي بالغرض إلا إذا طبق مبدأ نشر السلام والأمن ، وتبدلت الخطط الاقليمية والدولية للحفاظ على الاستقلال والسيادة في المنطقة .
صوصي سركيسيان
