ليڨون يوطنخباريان وقصة الهاشميين مع الأرمن (1)

صدر في العام 2012 في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة كتاب “غربان  الصحراء” والذي يحتوي على الترجمة الإنجليزية لمذكرات. “ليڨون يوطنخباريان” وتجدر الإشارة الى أن النص الأرمني الأصلي لتلك المذكرات محفوظ في جمهورية أرمينيا ولم يتم نشره ككتاب. تروي تلك المذكرات الجهود التي قام بها ليڨون يوطنخباريان مع مجموعة من رفاقه الأرمن وبتكليف من الجمعية الخيرية العمومية الأرمنية وبإشراف مباشر من الأشراف الهاشميين الأمير فيصل بن الحسين والأمير عبد الله بن الحسين للبحث عن المهجرين الأرمن من الصحراء العربية وحوران أثناء سنين الحرب العالمية الأولى وتجميعهم ونقلهم الى المناطق الآمنة. قبل البدء بمطالعتي لتلك المذكرات، أود التنويه بأن كاتب تلك المذكرات ليڨون يوطنخباريان ولعدم معرفته الكافية بجغرافية مناطق الصحراء العربية والمدن والقرى الممتدة من درعا وجبل الدروز في الشمال الى العقبة في أقصى الجنوب، فقد إفتقر كتابه الى تقدير المسافات الحقيقية وتحديد الإتجاهات في بعض الأحيان ويعترف بذلك في العديد من المواقف حين يفيد في مذكراته بأنه قد تاه في الصحراء عدة مرات وحتى حين كان برفقة بعض البدو من أبناء تلك المناطق. كما أنه في بعض الأحيان، لا يورد الأسماء الصحيحة لبعض القرى والمناطق وذلك أمر طبيعي كونه أرمني ومعرفته باللغة العربية معرفة سطحية جدا. ولذا فقد إرتأيت بأن أتمم المعلومات الناقصة عن جغرافية المناطق التي ذكرها في مذكراته بالإضافة الى تصحيح بعض أسماء تلك المناطق. كما قمت أيضا بتقديم نبذة تاريخية عن بعض المناطق كلما شعرت بالحاجة الى ذلك، وهذا لإعطاء القاريء أرضية  جغرافية وتاريخية تساعده في الإحساس الزماني والمكاني لبعض الأحداث الواردة في المذكرات.

يروي ليڨون يوطناخباريان بأنه كان قد إستدعي هو ومجموعة من الشباب الأرمن من بلدتهم أورفا في أرمينيا الغربية للخدمة العسكرية في صفوف الجيش العثماني. وفي العام 1909 أرسل للخدمة في قرية ضبعه والتي تبعد عن مدينة عمان حوالي خمسين كيلومترا من جهة الجنوب. لا يذكر ليڨون المنطقة التي خدم فيها في ضبعه ولكن كون القرية تحوي على قلعة من القرون الوسطى كان الجيش العثماني قد إستخدمها  كمقر لهم وذلك لقربها من خط سكة حديد الحجاز، فيمكن الإعتقاد بقوة بأن ليڨون قد خدم في تلك القلعة. خدم ليڨون في ضبعه لمدة سنة كاملة ويروي المصاعب التي تكبدها وخيبة الأمل التي أصيب بها هو ورفاقه ويقول ” سلمونا اللباس الرسمي العسكري وقاموا بقص شعري الطويل المتموج وأرسلوني إلى ضبعة وهناك بدأت حياتنا الصعبة حيث الشعور بالوحدة والحنين الى الوطن والعائلة. وكان إحساسنا بأننا سجناء غرباء بعيدون عن الأحبة بدون أن يكون لنا من يهتم لأمرنا. وكانت هذه من أكبر خيبات الأمل التي أصبنا بها”. وبعد مرور العام إستدعيت الكتيبة التي كان يخدم بها  للخدمة في جبل لبنان في (بيت الدين) حيث كان ممثل الحكومة العثمانية الأرمني هوڨهانيس باشا كويومجيان. وعندما بدأت عملية نزع السلاح من ايدي الجنود الأرمن العثمانيين في بداية العام 1915، شعر ليڨون ورفاقه الأرمن بالخطر خصوصا بعد صدور أمر القيادة العثمانية بإعادة إرساله مع مجموعة من الجنود الأرمن للخدمة في ضبعة بعد أن كانوا قد جردوا من أسلحتهم، فقرروا الفرار من صفوف الجيش العثماني ولجأوا الى بلدة الموقر التي تبعد عن عمان حوالي خمسين كيلومترا من جهة الشرق. وكان معه مجموعة من الرجال يذكر منهم كيڨورك كاليمكيريان من أورفا، سيڨ كريكور، كيڨورك جولياغوبيان ورجلين أخرين لم يذكر إسميهما. أثناء مكوثه في الموقر، عمل ليڨون بمهنة التجارة حيث كان يجلب البضائع من دمشق بالإضافة الى عمله بمهنة الخياطة التي كان يتقنها بحرفية عالية. يروي ليڨون بأنه قد سمع عن “ثورة العرب” ضد العثمانيين بقيادة الشريف حسين علي (ويقصد هنا الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين بن علي) فيقرر هو ورفاقه بعث رسالة الى الشريف علي بن الحسين الحارثي الذي كان متواجدا في معسكره في الأزرق يطلب فيها منه مساعدة اللاجئين الأرمن. وقام بإرسال تلك الرسالة مع كيڨورك جولياغوبيان ورجل آخر إسمه كريسدونه توما. ورد على أثرها الشريف واعدا بتقديم كل عون ومساعدة للأرمن في محنتهم. ومن خلال لقاء الرسولين مع الشريف علي بن الحسين، وصلت أنباء الثورة الى علم ليڨون حيث يقول في مذكراته “ومن تقريرهم (تقرير كيڨورك جولياغوبيان كريسدونه توما)  حول إجتماعهم مع الشريف علي بن الحسين، إكتشفنا بأن الإنجليز والفرنسيين قد عقدوا حلفا مع العرب.

 وأرسل الإنجليز الكولونيل ت. ي لورانس لمساعدة الشريف (حسين) وقومه بالثورة ضد الحكام العثمانيين حيث كان الشريف حسين وأبناءه الأمراء عبد الله وفيصل قد بدأوا بتحريك العرب ضد العثمانيين وتحرير أراضيهم . وأيقنت مدى أهمية هذه المعلومات وأرسلت معلومة الى دمشق بأن الطريق الصحراوي قد أصبح سالكا حتى ميناء العقبة حيث أن العقبة كانت قد إحتلت من قبل الإنجليز. وبعد ذلك بفترة وجيزة، جاء سرا الى الموقر، حيث كنا نقيم، مجموعة من الناجين من المذابح الأرمنية أطفالا وشيوخا ونساءا. وإنضم إلينا مجموعة من الأرمن المحليين. وقررنا جميعا الإقتراب أكثر الى موقع قوات الشريف علي بن الحسين. وكان دليلنا الموثوق به رجل من الموقر كبير في السن ولكنه شديد البأس إسمه أبو فرحة الذي كان صديقا لأبو شبلي الرجل الذي كنت أسكن في بيته.”

لم يوضح  ليڨون في مذكراته ماذا قصد بروايته عندما ذكر تواجد مجموعة من “الأرمن المحليين”. وعلى أية حال يمكن الإستنتاج بأن تواجد الأرمن في تلك المناطق من الصحراء السورية الجنوبية كان قبل سنين المذابح في العام 1915 وسأورد لاحقا في مقالات لاحقة  بعض الأدلة التي تشير الى تواجد الأرمن في الصحراء العربية وشرقي الأردن بدءا من العام 1900 وذلك بعد أن قمت بدراسة بعض المصادر اليسيرة القليلة التي إستطعت الوصول إليها.

ويتابع ليڨون ويروي بانه هو ورفاقة  ومعهم مجموعة من الرجال والنساء الأرمن تقدر بحوالي ثلاثين فردا يذكر منهم كل من بيدو كاراجوليان والسيدة تانيليان والسيدة اوصانا تيتويان وكيڨورك اشرافيان وغلايجي هوڨسيب، قد بدأوا رحلتهم في 16 نيسان 1918 من الموقر بإتجاه مدينة العقبة بهدف الذهاب عبر البحر من هناك الى مصر. وكانوا قبل البدء برحلتهم قد حصلوا على  الجمال المحملة بالغذاء والماء والأسلحة من جيش الشريف حسين بن علي. ويقول ليڨون ” بقينا مع الشريف علي لمدة خمسة عشر يوما. وطلب منا أن نبقى معه وننضم اليه في حربه مع الأتراك. ولكننا من طرفنا شرحنا له خطتنا ومهمتنا التي تهدف الى الوصول الى العقبة ومن هناك طلب المساعدة من الجمعيات الأرمنية المختلفة لإنقاذ أرواح مزيد من الأرمن من المذابح التي ما زالت مستمرة على يدي الأتراك. وأعطانا الشريف علي بعض الجمال التي حملناها بأمتعتنا وبدأنا رحلتنا بإتجاه العقبة بقيادة أبو فرحان.”

وفي طريقهم الى العقبة كانوا قد صادفوا جيش الأمير فيصل بن الحسين في قرية ابو اللسن. تقع قرية ابو اللسن بالقرب من خط سكة حديد الحجاز وتبعد  عن مدينة معان حوالي 25 كيلومترا الى جهة الجنوب وكان بها محمية عثمانية كبيرة وتقطنها قبائل الحويطات التي ساعدت قوات الشريف حسين بن علي في ثورته ضد العثمانيين. يذكر ليڨون بأنه قد قابل العديد من الأرمن مع جيش الأمير فيصل في أبو اللسن ولكنه لا يذكر هل كانوا جنودا مع الأمير أم مجرد هاربين. سأورد في مقالات لاحقة بعض الأدلة على إنخراط جنود وضباط أرمن في قوات الثورة العربية الكبرى كانوا قد فروا من الخدمة في الجيش العثماني بالإضافة الى بعض المهاجرين الأرمن.

عندما وصلوا الى العقبة (لم يذكر ليڨون تاريخ الوصول) وجدوا العديد من الأرمن الذين كانوا قد وصلوا إليها قبلهم. يوثق الضابط في الجيش البريطاني، الميجر ثوماس إدوارد لورانس (المعروف بلورانس العرب) في كتابه الصادر في العام 1922، “أعمدة الحكمة السبعة”، حقيقة وصول المهاجرين الأرمن الى العقبة قادمين من سوريا بعد أن تاهوا في الصحراء المقفرة. يذكر أنه أثناء سفره مع الضابطين في الجيش البريطاني باكستون ومارشال من الأزرق الى أبو اللسن حيث معسكر الأمير فيصل بن الحسين،  صادف الآلاف من الناس متجمعين في قرية باير وهي من القرى النائية في الصحراء الشرقية البعيدة عن خط سكة حديد الحجاز. وإشتهرت قرية باير بآثارها النبطية وآبار المياه الأثرية. يقول لورانس “إشتد العطش وكان في باير بئرين فقط، تجمع حول الأول الحويطات وبني صخر لسقاية خمسمئة من جمالهم وحول البئر الثاني حشد من آلاف الدروز، واللاجئين السوريين، والتجار الدمشقيين، والأرمن الذين كانوا في طريقهم الى العقبة. لقد أعاق هؤلاء المسافرون بشجارهم ومشاحناتهم المزعجة وصولنا الى المياه.”

وفي العقبة قابل ليڨون شخص أرمني إسمه هوڨهانيس كيليدجيان من مرش (مرعش في أرمينيا الغربية) الذي كان قد نذر نفسه لإنقاذ الأرمن في مدينة الطفيلة وإحضارهم الى العقبة ليتم ترحيلهم الى مصر ولكنه لم يتمكن من ذلك بسبب سيطرة الأتراك على المدينة حيث لم تكن قوات الثورة العربية قد وصلتها في ذلك الوقت. لا يذكر ليڨون أو هوڨهانيس أية معلومات عن هؤلاء الأرمن الذين كانوا متواجدين في الطفيلة في العام 1918  او ماذا حل بهم وبذلك يبقى مصيرهم مجهول على الأقل لدي. وحاليا لا تتواجد معلومات كافية عن أرمن مقيمين في الطفيلة وبهذا فإن هناك مجموعة من الإحتمالات، أولها أن يكون قد قضى الأتراك عليهم أو على قسم منهم، او نزحوا من الطفيلة، التي حررتها قوات الثورة في بداية العام 1918، الى مناطق فلسطين والتي كانت تحت السيطرة البريطانية بعد خروج الأتراك العثمانيين منها، او قد رحلوا الى مصر عن طريق العقبة في مراحل لاحقة. ومن الإحتمالات القوية أيضا بأن قسم منهم وخاصة النساء والأطفال كانوا قد بقوا في المدينة بعهدة العائلات والقبائل البدوية وتزاوجوا مع أبناء وبنات تلك العائلات وأصبحوا ينتمون إليهم وطواهم النسيان وبذلك يكون مخطط الإبادة الذي وضعه العثمانيون بهدف القضاء على الشعب الأرمني وإذابة من تبقى منهم على قيد الحياة في المجتمعات المحلية التي تقطن صحراء سوريا والعراق، قد تحقق بإمتياز. سأتناول في مقالاتي القادمة موضوع التواجد الأرمني  في جنوب الأردن من النواحي التاريخية والإجتماعية والانسانية وذلك إستنادا الى بعض المصادر العربية والأجنبية القليلة المكتوبة  بالإضافة الى المقابلات مع بعض الشخصيات التي كانت لها علاقة مع بعض الأفراد والعائلات الأرمنية في الطفيلة والكرك ومعان وغيرها من مدن وبلدات الجنوب الأردني. كما أنني سأثبت بما لا يدعو الى الشك بأن المهاجرين الأرمن كانوا قد إشتركوا في العديد من معارك الثورة العربية الكبرى الى جانب قوات الأمير فيصل بن الحسين بدءا من معركة إحتلال العقبة، ومعارك الدفاع عن الطفيلة وصولا الى إحتلال درعا وتكليف الأمير فيصل لضابط أرمني للبقاء في درعا بداعي الدفاع عنها بينما واصلت قوات الثورة بقياد الأمير فيصل زحفها على دمشق. (يتبع)

كيڨورك ميناس مصرليان

عمان في 2/4/2018

شرح الصور:

صورة رقم (1): ليڨون يوطنخباريان  مع أعضاء بعثة الإنقاذ ومعهم مجموعة من أيتام الأرمن الذين تم جمعهم من الصحراء السورية

صورة رقم (2) ليڨون يوطنخباريان  مع أعضاء بعثة الإنقاذ ومجموعة من جنود الثورة العربية الكبرى معهم مجموعة من الأرمن في العقبة

صورة رقم (3) طفلان أرمنيان بلباس البدو عثر عليهم في الصحراء

صورة رقم (4) ليڨون يوطنخباريان  جالسا مع أعضاء بعثة الإنقاذ والطفل الجالس هو ديكران شقيق ليڨون الذي عثر عليه في الصحراء

صورة رقم (5) الأمير فيصل بن الحسين (ملك سوريا والعراق لاحقا)

صورة رقم (6) الأمير عبد الله بن الحسين (مؤسس إمارة شرقي الأردن وملك المملكة الأردنية الهاشمية)

Share This