تدمير الأدلة المادية لهوية الأراضي الأرمنية: المقبرة الأرمنية في جولفا، ناخيتشيفان

تقع المقبرة التاريخية الأرمينية “جولفا” (المعروفة باللغة الأرمينية باسم “جوغا”) في الجزء الجنوبي من ناخيتشيفان، بالقرب من الحدود الإيرانية.
وناخيتشيفان هي جزء تاريخي من الأراضي الأرمنية وكانت جزءاً لا يتجزأ من جمهورية أرمينيا الأولى بين الأعوام 1918-1920.
وفي عام 1921، اقتطعت بصورة تعسفية من أرمينيا ووضعت تحت سيادة أذربيجان كجزء من تسويات الاتحاد السوفييتي مع تركيا الكمالية وسياسة “فرّق تسد” التي تتبعها موسكو بشأن الحدود من أجل تسهيل سيطرتها على المنطقة. وخلال الحقبة السوفييتية، تم طرد السكان الأرمن الأصليين من ناخيتشيفان ضمن سياسة التمييز، والضغط الاقتصادي، وغيرها من السياسات المطبقة من قبل السلطات الأذربيجانية السوفييتية.
إن المقبرة التاريخية الأرمينية في “جولفا” تمتد زمنياً من القرن السادس حتى القرن السابع عشر. وبلغت ذروتها عندما كان يوجد ما يقارب الـ 10 آلاف من الصلبان الحجرية (خاتشكار) المنحوتة بشكل معقد، موزعة على ثلاثة تلال، لتعطي بذلك سمة خاصة لعصور التاريخ الأرمني. وبحلول عام 1998، في أعقاب التدمير المنهجي للصلبان الحجرية من قبل السلطات الأذربيجانية على مدى عقود من الزمن، لم يبق سوى /2000/ قطعة.
وفي عام 1998، واصلت القوات الأذربيجانية التدمير المنهجي للصلبان الحجرية الـ /2000/ المتبقية في مقبرة “جولفا”. وذكر شهود عيان على الحدود الإيرانية استخدام الجرافات لهدم الصلبان الحجرية، تلك البقايا التي تم نقلها بالقطار. وبعد ثلاثة أسابيع من الهجمات، تم تدمير ما يقارب /800/ قطعة من الصلبان الحجرية. ومن خلال تدخل مجموعات مثل اليونسكو والإيكوموس (المجلس الدولي للآثار والمواقع الأثرية)، أوقف الهدم بشكل مؤقت. وفي 9 تشرين الثاني من عام 2002، وتبعاً لنموذج الطالبان، استؤنفت أعمال الهدم لمئات الصلبان الحجرية المتبقية في مقبرة “جولفا”. وفي بداية 10 كانون الأول 2005، تجمع ما يقارب /200/ من الجنود الأذريين على الحدود بين ناخيتشيفان وإيران لمسح ما تبقى من الآثار والدلالات من مقبرة الأرمن في “جولفا”.
قام الجيش الأذربيجاني، باستخدام المطارق الثقيلة والمعاول، بتحويل الصلبان الحجرية المبعثرة إلى كومة من الركام، حيث تم تحميلها على شاحنات وثم تفريغها في نهر “أراكس”.
في أوائل آذار من عام 2006، أقامت السلطات في ناخيتشيفان موقعاً عسكرياً لإطلاق نار على قطعة الأرض في مقبرة “جولفا”. ويعتبر ذلك الموقع العسكري، المتوضع على آلاف الرفات البشرية، هو مثال لمظاهر القيم الأخلاقية الأذرية. وباعتبار أن الموقع قريب جداً من الحدود الإيرانية، فإنه لا يمكن أبداً استخدامه من قبل الجنود للتدريبات إطلاق النار.
في الواقع، تم إقامته على عجل لإخفاء الإجراءات الجنائية لأذربيجان: فالسلطات الأذربيجانية حولت موقع المقبرة سابقاً إلى “منطقة عسكرية” حتى يتمكنوا من منع البعثات الأجنبية والمراقبين من الدخول إليها. واقتداء بنموذج الطالبان الذين دمروا تماثيل بوذا في باميان، أفغانستان، قامت أذربيجان بطمس المعالم التاريخية العريقة في ناخيتشيفان، على أمل إثبات أن المنطقة لم تكن أبداً أراضي أرمينيا.
المصدر: كتيب “نحو قرار عادل ومنصف حول نزاع كاراباخ الجبلية”، منشورات الهيئة الوطنية الأرمنية- الشرق الأوسط، بيروت، 2012.
من سلسلة (30 مادة تاريخية وأرشيفية حول كاراباخ، بمناسبة الذكرى الـ30 لحركة كاراباخ) التي ينشرها موقع “أزتاك العربي” تباعاً.
