24 نيسان 1915.. محطة تاريخية محفورة في ذاكرة الشعب الأرمني …

 

محطة وذكرى أليمة، ومعاناة إنسانية، راح ضحيتها المليون ونصف المليون من الشعب الأرمني، نتيجة المجازر التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحقهم …

صحيح أن قرن وثلاث سنوات مرت لكن ، ظل الشعب الأرمني يحيي ذكرى شهداءه إيمانا منه بأن ذاكرته الجماعية  ما زالت تختزن كل فصول الإبادة ، كما تعيش تلك اللحظات وكأن كل فرد من الجماعة كان حاضرا هناك، وشاهد فظاعة ما جرى: حملات اعتقال وتجميع وتصفية جسدية ، فضلا عن هلاك الكثير منهم في المنفى بسبب الجوع والمرض.

هذا ما قامت به الحكومة العثمانية من قتل متعمد ومنهجي، مطبقة بذلك سياسة دنيئة لتغطية فشلها.

في الواقع ، خسرت الامبراطورية العثمانية ما بين 1878 ونهاية الحرب العالمية الاولى 80% من أرضها ، و75% من سكانها . فاستنتجت قيادة ” الاتحاد والترقي ” أن وجود أقليات مسيحية داخل الامبراطورية يشكل خطرا ينبغي تدبره ، لذا تولى السلطان عبدالحميد الثاني مهمة  الانقلاب وخلق شرخا في العلاقة بالأرمن، الذين دفعوا أكلاف هذا الفشل العثماني أضعافا ……

فشل العثمانيون آنذاك لأنهم  لم يتمكنوا من  تحديث الجيش، وتحقيق الاصلاح الضريبي، ونفض الادارة العامة ، كما لم  يتحرروا من سيطرة “الملة الحاكمة”، أي أخفقوا سياسيا واقتصاديا وعسكريا وحتى اجتماعيا …

  عندها قررت السلطنة إقامة إدارة مركزية وحل المسائل العالقة بالإجرام والتشريد والتتريك فتأسست جمهورية أتاتورك على أنقاض الهزائم والاخفاقات، حتى انها عمدت الى تغيير أسماء القرى الأرمنية واستبدلتها بالتركية إعتقادا منها أنها تطمس الحقائق والآثار …

أنكر الحكام العثمانيون الابادة وتبنوا سياسة منهجية في الإنكار والاستئصال التاريخي والثقافي وصولا الى ورثتهم، أتراك اليوم، لكنهم لم يدركوا أن إبادة شعب بهذا الحجم، الى جانب تواتر معطيات تاريخية، ومراسلات واثباتات واعترافات  عديدة في أقطار العالم سوف تؤجج نار الحقد والانتقام عند الأرمن وتخلق من جديد الرغبة  باستعادة الأراضي والممتلكات مع التعويض والاعتراف العلني ، لكن هذه المرة بإصرار أكبر ….

بالفعل، الحكومة العثمانية وورثتها،  هم المسؤولون المباشرون عن أفعالهم الإجرامية تجاه الشعب الأرمني كما تجاه السريان  والشركس والكلدان والآشوريين واليونانيين وغيرهم، حتى ولو رفض الأتراك الاعتراف بمسؤولياتهم ….

لو تعمقنا في تحليلاتنا، لأكتشفنا بأن حجج العثمانيين لم تكن مقنعة إذ قصروا بحماية رعاياهم عل كل الأحوال ، أما تركيا الحالية – وريثة السلطنة العثمانية – بدورها، ترفض الاعتراف بالإبادة، وتناقض نفسها عندما تعبر عن رغبتها بطي الماضي، وفتح صفحة جديدة مع أرمينيا …….

تركيا تعرف ملء المعرفة بأن تداعيات الاقرار والإدانة ، لن تقف عند حدود الاعتراف ، بل سوف تفتح أبوابا أمام مطالبات تاريخية بأراض ، ومعالم ورموز دينية بما يمس وحدتها وسيادتها .

هي تحاول الاعتماد على قوة موقعها الجيوسياسي في الاستراتيجيات والمصالح الدولية ، علها بذلك تركد القضية الأرمنية ، ومع الزمن تضمحل …..

من المؤسف ألا تدرك تركيا حتى اليوم ، وبعد مرور أكثر من قرن ، إن عدم الاعتراف بفعلتها لا يستفز الأرمن لا من قريب ولا من بعيد، لأن السياسة التركية لم تتغير عبر الزمن: تدخلاتها  غير المرغوبة مؤخرا في سوريا، وتواطؤها مع الجماعات الإرهابية وعدم قدرتها على حماية الأقليات في مناطقها، واعتذارات أردوغان المشبوهة، وتحالفاتها مع أذربيجان لتخريب استقلال كاراباخ، وفتح جبهات ضد الدول التي تصرح وتقر بالابادة… كل هذه الأفعال ما هي إلا إثباتات إضافية تبرز شكوك الدول حيال استراتيجياتها ومخططاتها  التدميرية لتهيمن على الدول مستفيدة من الصراعات القائمة.

في النهاية، لن يتنازل الأرمن عن حقوقهم التاريخية مهما مرت السنوات ولن يحصروا مطاليبهم فقط بالاقرار بفعل  الابادة لأن قضيتهم وطنية وسياسية ومقدسة …..

كلما أصر أردوغان على إنكار المجازر التي ارتكبتها السلطنة العثمانية ، كلما ساهم في تعزيز الروح الوطنية لدى الأرمن، في كل أقطار العالم …

كلما بادر أردوغان الى تدمير، أو تزوير الحقائق التاريخية، والاساءة الى العلاقات بين الدول، كلما عرض نفسه وبلاده الى التدهور السياسي، وأتاح للأرمن فرص أوسع لمتابعة النضال من أجل استرجاع الحقوق جميعها …..

صوصي سركيسيان

بيروت ، نيسان 2018

Share This