المترجمون قديسون لدى الأرمن..واليوم عيدهم

يحتفل الشعب الأرمني بذكرى عيد المترجمين القديسين الأرمن في الاسبوع الثاني من شهر تشرين الأول من كل عام، ويعد عيد المترجمين القديسين أحد الأعياد الوطنية الكنسية لدى الشعب الأرمني، حيث تحتفل الكنيسة الأرمنية بعيد أوائل الرواد المترجمين ميسروب ماشدوتس وتلاميذه؛ أمثال: غيفونت وكورون ويزنيك وموفسيس خوريناتسي وغيرهم. كما يجري، في الوقت نفسه، الاحتفال بأول ترجمة للكتاب المقدس الى اللغة الأرمنية.

ويعود الفضل باختراع أو اكتشاف اللغة الأرمنية الى عالم اللغويات ميسروب ماشدوتس المعروف بإلمامه باللغات اليونانية والفارسية والسريانية فضلاً عن اللهجات الأرمنية.

في الحقيقة، كان الشعب الأرمني يحتفل بعيد المترجمين أيضاً: بين شهري حزيران وتموز للاحتفال بمخترع الأبجدية القديس ميسروب ماشدوتس وساهاك بارتيف وذكرى لقاء الاثنين، حيث يحج الناس الى منطقة “أوشاكان” لزيارة قبر ميسروب ماشدوتس.

ولذلك اعتبر عيد المترجمين لدى الأرمن عيداً للاحتفاء بكبار رجال الثقافة ورواد حركة الترجمة.

وعلى اعتبار أن الأرمن يقدّسون لغتهم وأبجديتهم، فإن الترجمة أيضاً لها مكانتها الى درجة التقديس. وتصنِّف الكنيسة الأرمنية رجال الترجمة ورواد الثقافة بنفس درجة القديسين؛ أي تمنحهم القداسة، ولذلك سمّوا مكتشف أو مخترع الأبجدية والمترجم ميسروب ماشدوتس قديساً، واعتبروا عيد المترجمين عيداً من الأعياد الرئيسية لديهم.

ولفهم أهمية هذا الحدث لدى الأرمن ينبغي تحليل الفترة التي سبقت مرحلة الترجمة، فقد كان التدريس في المدارس الأرمنية حتى القرن الخامس الميلادي باللغات اليونانية والسريانية. أي أنه بعد اعتناق المسيحية، كانت الطقوس الكنسية تقام في الكنائس بتلك اللغات. وبدأ السجال على انقسام أرمينيا بين بيزنطى وبلاد فارس. وأدرك الأرمن أن فقدان استقلال الدولة سيهدد وجود الشعب الأرمني، ولذلك نشأت حركة الترجمة لدى الأرمن بهدف الحفاظ على الاستقلالية الثقافية والدينية لأرمينيا.

وبعد اختراع الأبجدية الأرمنية بلغت مدة ترجمة الكتاب المقدس مدة 30 عاماً على يد مجموعة من تلاميذ ساهاك وميسروب.

وكان (سِفر الأمثال) هو أول سفر من الأسفار المقدسة نقل الى الأرمنية، وبعد ذلك نقل العهد القديم،

وأنجزت الترجمة من النص الأصلي السرياني (بيشيتو)، وبعد ذلك بدأت الترجمة الثانية اعتماداً على النص اليوناني (سيبتواكيندا).

وتجدر الإشارة الى أن النسخة الأرمنية المترجمة للكتاب المقدس عرفت بأنها (ملكة الترجمات) لجمالها اللغوي، ودقتها في ترجمة المعاني.

وأضحى أول عمل ترجمي قاموا به -الكتاب المقدس- بداية النهضة الأدبية وحركة الترجمة من اللغات الأخرى مثل اليونانية، والسريانية، واللاتينية، والفارسية، والعربية.

وهكذا، بدأت نخبة من الأدباء الأرمن بترجمة الكتاب المقدس، وتفسيره، ونسخه، ونشره. فقد قام القديس ساهاك، بترجمة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ثم قام الأسقف بدروس بتفسيره وعمل أنانيا شيراكاتسي بترتيب أسفار الكتاب المقدس وتقسيمه الى فصول.

ويمكن اعتبار المرحلة الأولى من حركة الترجمة قد بدأت في النصف الأول من القرن الخامس، وبذلك تم تعزيز الديانة المسيحية. بعد ذلك تم افتتاح أول مدرسة للترجمة، تتضمن كافة الأقسام الكنسية والدينية.

كما لعبت ترجمة الكتاب المقدس دوراً هاماً في نهوض اللغة الأرمنية الكنسية. وترجمت فيما بعد أمهات الكتب الكنسية واللاهوتية من اللغة السريانية، واليونانية، وأسهمت المؤلفات المترجمة في خلق تواصل حضاري مع اللغات والشعوب الأخرى. واستناداً الى ذلك النشاط، عرف القرن الخامس الميلادي بالعصر الذهبي.

ويمكن استخلاص أهداف حركة الترجمة بالمنجزات التالية: ترجمة الكتاب المقدس الى الأرمنية، وجعل الطقوس الكنسية أرمنية، ونشر الأدب الكنسي بالأرمنية، وتأسيس الكهنوت الأرمني، وتنشئة الحياة الروحية في أرمينيا، وتعزيز الاستقلال العقائدي والثقافي والديني.

ومع ممارسة اللغة الأرمنية الطقسية في التراتيل والصلوات اكتسبت الكنيسة طابعاً مشرقاً جديداً، وازدهرت دراسة الكتاب المقدس. كما ازدهر علم الدراسات التاريخية، وبدأ المؤرخون يدونون باللغة الأرمنية، أمثال بافستوس بوزانت، وموفسيس خوريناتسي، ويغيشيه، ويزنيك غوغباتسي، وأكاتانكيغوس وغيرهم.

من اللافت أنه كان يطلق اسم مترجم على مبتكر الأبجدية أو مخترعها ميسروب ماشدوتس والكاثوليكوس ساهاك بارتيف، ومئة من التلاميذ، بالإضافة الى (المترجمين الصغار) وهم تلامذة التلاميذ.

كما صنف كمترجم كل من المحرر أو المعلق، ومفسر الانجيل. وبلغ عدد المترجمين الأوائل 30 مترجماً، أبرزهم يغيشيه، ودافيد أنهاغط وغيرهم.

من المفيد الإشارة الى أن الترجمات الأولى التي تمت بمساهمة ميسروب ماشدوتس وساهاك بارتيف أدت الى نتائج عديدة، أهمها إقامة مدرسة للترجمة، وترسيخ الأمور الروحية والثقافية والعقائدية.

بعد تخطي المرحلة الأولى من حركة الترجمة وقد أنجزت ترجمة الانجيل، دخل الأرمن في المرحلة الثانية من حركة الترجمة حيث أنجزت الترجمة الثانية للكتاب المقدس وجرت مقارنتها بالترجمة اليونانية على يد المجموعة الثانية من المترجمين أمثال يزنيك كوغباتسي، وكورون، وغيفونت فانانتيتس وهوسيب باغناتسي وغيرهم. وارتبطت هذه المرحلة بترجمة العلوم الكلاسيكية اليونانية في منتصف القرن الخامس وحتى بداية القرن الثامن، متضمنة مؤلفات للفكر الكلاسيكي والمؤلفات الفلسفية لأفلاطون وأرسطو وآخرين. ثم أنجزت ترجمة كتب كنسية ودينية حول اللاهوت والتفسير من اليونانية والسريانية على يد بارسيغ كيساراتسي، وهوفهان فوسكيبيران، ويبريم أسوري، وغيرهم.

ومنذ ابتكار الأبجدية الأرمنية حتى عام 440م تمت ترجمة المؤلفات التالية:

1-الانجيل عام 405-408 و430. 2-دفتر العظات والقداديس (من اليونانية والسريانية)، 3-خطابات أتاناس الكسندر (من اليونانية)، 4-القداس (من اليونانية)، 5-خطابات هوفهان الفم الذهبي، وخطابات أثناسيوس الإسكندري، وكيرلس الأول البابا السكندري وتفسيره (من اليونانية)، وتاريخ الكنيسة يسيبيوس القيصري (من اليونانية).

كما قامت الكنيسة الأرمنية بترجمة تفسير أفرام للإنجيل، ونقلت لأفرام تفسير أعمال الرسل، ورسائل القديس بولس التي فقدت النسخة السريانية منها.

وتطورت حركة الترجمة في القرن الرابع عشر من خلال ترجمة المؤلفات اللاتينية، مما أسهم بالتأثر بالفكر الأوروبي.

وبفضل حركة الترجمة، تم الحفاظ على الكثير من المؤلفات الكلاسيكية، ومؤلفات تعود الى القرون الوسطى بالنسخ الأرمنية فقط بعد فقدان أو تلف النسخ الأصلية.

نجد مما سلف أنه، لم تكن للأرمن حروف أبجدية حتى القرن الخامس الميلادي، حيث تحولت اللغة الأرمنية الشفوية الى لغة مكتوبة مقروءة، ومن هنا بدأت انطلاقة تدوين الأدب الأرمني وبدأت معها حركة الترجمة، وأسهم المترجمون الأوائل في الحفاظ على اللغة الأرمنية وسيادة أرمينيا وتشكيل الهوية الأرمنية، وحازوا بذلك على مكانة رفيعة من خلال تقديسهم، أما في القرون اللاحقة فقد انخرط المترجمون في خدمة تفاعل الثقافات، وبات لهم عيد خاص لتكريم جهدهم في نقل العلم والمعرفة، والإسهام في تقدم ونهضة الشعب الأرمني.

د. نورا أريسيان

Share This