
المرأة الأرمنية وصناعة القرار..بقلم: صوصي سركيسيان
أن نتحدث عن المرأة العربية عامة، واللبنانية خاصة في عيدها، وأن نسلط الضوء على نشاطاتها وإنجازاتها العديدة، لهو واجب ومتعة لأنها بالرغم من كل التطورات المحيطة بها، تظل محور إهتمام أي مجتمع إنساني يسعى للنهوض والتقدم.
كيف لا نقدر جهودها الجمة، وهي المرأة –الأم، والأخت، والشخصية القادرة على بناء الإنسان والوطن بمهاراتها العديدة وفق الامكانات المتاحة لها.
شاركت في ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومازالت تواجه، متحدية كل العوائق التي تحاول باستمرار إبطاء حركاتها التحررية أو شل نشاطاتها.
لا ننكر أنها أثبتت عبر الزمن، أنها تستطيع أن تلعب أدواراً مختلفة، حتى لو تعرضت مكانتها للتأرجح أو لخطر الانزلاق.
إذا كان هذا وضع المرأة إجمالاً، فكيف يمكننا أن نتحدث عن المرأة الأرمنية …..
بالواقع، لم يقتصر عملها على إقامة التوازن بين متغيرات المجتمع عبر الزمن ومهام عائلتها الصغيرة، إنما حملت في ضميرها وعلى أكتافها مأساة شعبها. لم تستسلم لغاية اليوم أينما وجدت في أصقاع العالم، بل ناضلت وما زالت لتحميه من العدوان والتسلط، ولتأمين الاستمرارية للغة الأرمنية وكل ما يتعلق بمقومات الثقافة بدءاً بالطقوس الدينية وصولا الى العادات والتقاليد، بالطيع دون نسيان الأدب والفنون على أنواعه.
لو أردنا أن نستعرض ملامح شخصية المرأة الأرمنية، لوجب علينا الرجوع الى الوراء ، الى عهد الوثنيين، لنؤكد أن وجود المرأة تجسد من خلال آلهة وهن: “أناهيد، أستغيغ، ونانيه” اللواتي عرفن بالطهارة والحنان والابداع ، وأهم من كل ما سبق بحبهن اللامتناهي للعائلة والمحيط.
في مرحلة لاحقة، أي تحت الحكم العثماني، فقدت المرأة كيانها المستقل عن الرجل ، مثل معظم السكان الذين كانوا يعيشون في ظل السلطنة العثمانية، وحصر عملها في الحقل الزراعي، الى جانب واجباتها ومسؤولياتها المنزلية. لم يذكر أن كان لها مكانة إجتماعية هامة بسبب نشاطاتها المتواضعة.
أما عندما أقبل عصر الاستبداد، أصبح دورها مستتراً، في بيئة تقليدية رجعية ، لم يسنح لها بتقرير مصيرها ، ولم يترك لها خيار نمط العيش، لا بل سجنت بين جدران أربعة، خاضعة لأحكام أهلها؛ اضطرت أن ترتدي ثيابا صبيانية ويمرغ وجهها بالوحل أو الرماد عند سن البلوغ ، كي لا تتعرض للملاحقة والخطف.
بالمقابل عظم دور الجدة في هذه المرحلة، استقطبت محور العائلة وباتت كلمتها مسموعة ومطاعة من الجميع. عهد إليها تربية الأحفاد وتعليمهم وتوجيههم للمحافظة على التقاليد والعادات. لم يجرؤ حينها أحد على عصيان أوامرها أو عدم إطاعتها.
نتساءل هنا كيف كانت حالتها في عهد القياصرة؟
بالفعل، كان دورها ثانويا في حضور الرجل، أما في غيابه القصري، بسبب الحرب، تمتعت بالسلطة المطلقة، إذ توسعت صلاحياتها ، كما أضيفت لها مهام مختلفة.
طغت الظروف السياسية على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، في القرن التاسع عشر، واضطر الكثير من الأرمن الى الانتقال الى أماكن أخرى ، فسنحت الفرصة أمامها للتحصيل العلمي في أوروبا. نشير بأنها تحررت من القيود نتيجة هذا الانفتاح ، كما اكتسبت مهارات جديدة ، وساهمت في الحركة الأدبية النهضوية.
تميزت المرأة الأرمنية في هذا العهد بالشخصية الريادية ، وشاركت في صناعة القرار، كما تقدمت على الصعيد الاعلامي لدرجة أن أصبح وجودها أساسيا وفعالا : باتت محط أنظار المجتمعات، وحصلت على مكانة اجتماعية لائقة بها ، لكن نضالها استمر بالرغم من مساندة الرجل لها، خاصة وأن المجتمع الأرمني لم يعرف يوما التمييز بين الجنسين ، فلا تفاوت موجود بينهما.
تسلحت المرأة الأرمنية بالارادة الصلبة، مشددة على حرية التعبير، فتغلغلت في الحقول العلمية واستطاعت أن تحقق أحلامها.
أما في عهد التحرير والابادة، أي بعد معاهدتي “برلين وسان ستيفانو”، دعيت المرأة لسلوك طريق الحرية أو الاستشهاد.
كانت مثال التضحية والروح الوطنية، إذ ساهمت في تنظيم الأعمال البطولية، واعتبرت أن نداء الوطن أهم من الأمومة، فلم تقبل بالتخاذل أو التقاعص، وفي كثير من الحالات شجعت أبناءها للفداء من أجل الارض والشعب.
أما اليوم، فالمرأة الأرمنية تكافح أينما وجدت في أرمينيا أو بلاد الشتات، وما زالت تعمل من أجل القضية الأرمنية الى جانب شريكها، متأملة أن يسترجع شعبها كل ما فقده من جراء الابادة التي تعرض لها على يد الأتراك في بداية القرن العشرين، ليعيش أبناؤها بطمأنينة وسلام.
