مذكرات مطران الأرمن جان نازليان، أسقف طرابزون، عن الأحداث السياسيّة والدينيّة في الشرق الأدنى، من العام 1914 حتّى العام 1928 (1)

مذكرات مطران الأرمن جان نازليان، أسقف طرابزون، عن الأحداث السياسيّة والدينيّة في الشرق الأدنى، من العام 1914 حتّى العام 1928 (1)

أزتاك العربي- نشر الموقع الخاص بحياة الأب ليونارد ملكي (1881-1915)، مذكرات مطران الأرمن جان نازليان، أسقف طرابزون، عن الأحداث السياسيّة والدينيّة في الشرق الأدنى، من العام 1914 حتّى العام 1928.
وجاء أنه تمّ سيامة جان نازليان (أرضرّوم، آذار 1875 – بعبدا، لبنان، 15 أيلول 1957) أسقفًا على طرابزون أثناء السينودس القومي المنعقد في روما، العام 1911، الذي دعا إليه بطريرك الكنيسة الأرمنيّة الكاثوليكيّة، المنتخب حديثًا، بوغوص بطرس الثالث عشر ترزيان (1910-1931) لتنظيم الكنيسة.
وتحت ذريعة سيامته في إيطاليا، الدولة المعادية لتركيا بسبب الحرب الدائرة بينهما على الشواطئ الليبيّة، مارست الحكومة التركيّة الخاضعة لتوجيهات الأتراك الفتيان عراقيل وضغوطًا كبيرة عليه لمنعه من استلام مركزه، والقيام برسالته. صمد المطران نازليان أمام التهديدات، وأنقذته العناية الإلهيّة من المجازر التي حصلت في طرابزون، في تموز 1914، إذ كان في فرنسا يُشارك في المؤتمر القرباني الدولي المنعقد في مدينة لورد.
ما أن انتهت الحرب العالميّة الأولى، حتّى تمّ تكليفه القيام بجولة على الأبرشيّات الأرمنيّة في تركيا، بمرافقة لجنة من الخبراء، للاطلاع على أوضاعها، وجمع المعلومات عن المجازر التي تعرّض لها الأرمن، بخاصّة الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات.
تمكّن المطران نازليان من جمع معلومات كثيرة، مستندًا إلى أقوال الناجين من المجازر، والشهود العيان، من بينهم الرهبان الدومينيكيين الثلاثة اللاجئين إلى مطرانيّة السريان الكاثوليك في ماردين، والمطران اندريه أحمراني (أحمرانيان) الأرمني المارديني، وعضو رهبانيّة بزمّار البطريركيّة الذي فقد أحد أقربائه، الأب أنطون أحمراني، في قافلة الحادي عشر من حزيران 1915، مع الأب ليونار ملكي. وكان الأب أنطون أوّل الذين قُتلوا على يد الجنود الأتراك.
في العام 1951، بمناسبة الذكرى المئوية الخامسة عشرة لاستشهاد القدّيس ڤارتان ورفاقه، نشر المطران نازليان حصيلة لقاءاته، باللغة الفرنسيّة، في مجلّدين اثنين، بلغ عدد صفحاتهما 1637، تحت عنوان: “مذكرات المطران جان نازليان، أسقف طرابزون، عن الأحداث السياسيّة والدينيّة في الشرق الأدنى، من العام 1914 حتّى العام 1928.” أعادت بطريركيّة الأرمن الكاثوليك في بيروت نشر الكتاب في العام 2008، مع مقدّمة للبطريرك نرسيس بدروس التاسع عشر.
لكتاب المطران نازليان قيمة كبيرة نسبة إلى المعلومات الموثوقة التي يوردها عن المجازر بحقّ الأرمن في تركيا. ننقل فيما يلي بعض المقاطع المعرّبة التي تُلقي الضوء على استشهاد الأب ليونار ورفاقه:
أ- نظرة عامّة إلى مذابح الأرمن، من الناحية السياسيّة والدينيّة (ص 1-5)
إنّ إبادة الأرمن في الإمبراطورية العثمانيّة قد تمّ التخطيط لها وتنفيذها على يد الأتراك الفتيان، بموافقة حكومة الباب العالي في استنبول، ومشاركة المواطنين المسلمين، يشجّعهم عليها ويدعمهم فيها السلطات المدنيّة والعسكريّة القائمة في تلك الفترة، بإشراف عسكر المواكبة المكلّف إدارة عمليّات الترحيل.
ونظرًا إلى عقليتهم، أراد الأتراك تحقيق أهداف سياسيّة من خلال استنهاض الغرائز الدينيّة، فوضعوا مخطّط الإبادة، وقاموا بتنفيذه للقضاء التامّ على هذه الطائفة المسيحيّة القويّة والمتأصلة في البلد منذ آلاف السنين.
فبعد استلام الأتراك الفتيان الحكم، أصبح همّهم الأساسي دمج الطوائف المختلفة، وضمّها إلى العرق التركي. شكّل الأرمن عائقًا أمام هذه العمليّة، لأنّهم كانوا يكوّنون المجموعة الأكبر، عدديًّا وإتنيًّا، والأقدر اجتماعيًّا واقتصاديًّا، فتمّ استهدافهم للقضاء عليهم.
لكنّ هذا المخطط الذي يشمل ليس فقط ضمّهم إلى العرق التركي بل أيضًا أسلمتهم، لاقى اعتراضًا قويًّا، بخاصّة عند الأرمن الذين استطاعوا المحافظة على هويتهم القوميّة والدينيّة، بمواجهة الأعراق التركيّة، وعلى الرغم من خضوعهم للمحتلّ، وذلك بسبب تعلّقهم بوطنهم الأمّ، وعاداتهم الوطنيّة والاجتماعيّة، فتمكّنوا من تنظيم أنفسهم جماعات وكنائس، وحصلوا على امتيازات وصلاحيّات مُنحت لهم بواسطة الفرمانات الإمبراطوريّة، اعترفت بها الحكومة التركيّة بموجب التزامات رسميّة سُطّرت في قوانين دوليّة.
وبما أنّ الأرمن كانوا أصحاب مواهب ومهارات، ولديهم طاقات عالية، حقّقوا تقدّمًا ملحوظًا في عالم الثقافة والتجارة والصناعة والزراعة، ما أثار غيرة مواطنيهم الأتراك وحسدهم. وبقدر ما كان الأرمن يرتقون بمستواهم المعيشي، كان الأتراك يزدادون حقدًا تجاههم، فاتّسعت الفجوة بينهم.
علاوة على ذلك، نشأت الإمبراطوريّة التركيّة على استغلال الغالبية العظمى من غير المسلمين، من قبل الفاتحين الأتراك الذين يشكّلون أقلّية مسلمة. وإنّ السلاطين الذين أسّسوا هذه الإمبراطورية، وأصبحوا بالتالي خلفاء المسلمين في العالم كلّه، مارسوا سلطة مستبدّة باسم الإسلام، قوامها التمييز بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين، وعدم المساواة فيما بينهم، وهذا السلوك هو من صلب شخصيّتهم.
بالإضافة إلى المبدأين الأساسيين السابقين الذكر، أي أسلمة المواطنين، والاستبداد في الحكم، أضاف الأتراك الفتيان مبدءًا ثالثًا تَمثّل بالقوميّة التركيّة. وكان على الأرمن مقاومة الاتجاه التصاعدي لتلك العوامل الثلاثة مجتمعة، وذلك للمحافظة على شخصيّتهم المعنويّة وضميرهم الوطني.
لم تتردّد القوى الغربيّة في الاستفادة من هذه الأوضاع للتدخل في الشؤون التركيّة الداخليّة بموجب المعاهدات الهادفة إلى حماية المسيحيين بشكل عامّ، والحفاظ على حريّة الضمير والعبادة، وفقًا لتقاليد كلّ طائفة، بخاصّة الطائفة الكاثوليكيّة.
شكّل الأرمن خطرًا مزدوجًا بالنسبة إلى القادة الأتراك: إنّ التقدّم الباهر الذي أحرزوه شكّل انتقاصًا معنويًّا للهيمنة التركيّة من شأنه أن يقلب الأدوار، ويصير التركي المهيمن مثل المواطن العادي. وعلاوة على ذلك، استفادت السياسة الأوروبيّة من هذا الوضع، واستغلّت العنصر الأرمني للحصول على تنازلات مُربحة من تركيا، أو أراض تؤخذ منها. وعلى حدّ قول أحد السياسيين التابعين لحزب تركيا الفتاة: “إنّ المصالح الدينيّة والمصالح الماديّة هي المحرّكة لتلك السياسة الأوروبيّة التي لم تخضع يومًا للقيم الأخلاقيّة، بل لدوافع مركنتيليّة، وأطماع بالفتوحات تتستّر أحيانًا بمظاهر تقويّة ونزيهة.” (الإفلاس الأخلاقي للسياسة الغربية في الشرق، أحمد رضا، 1922، مكتبة بيكار، باريس).
إزاء هذا الخطر المزدوج، قرّر الشعب التركي وحكومته القيام بعمل مضاد يؤجّجه التعصب الديني، وغريزة القوّة الغاشمة، أقاموهما كحقّ مكتسب للدين بقوّة السيف، والحكم المطلق للطاغية، وبالتالي صار المسيحي، بنظر التركي، ليس فقط عبدًا منذ ولادته، بل شيئًا مستباحًا يحقّ له قتله.
بعد حرب البلقان، وُلدت عقيدة سياسيّة جديدة في تركيا قوامها البانطورانية التي أدخلت السمّ إلى عقول الشباب التركي الذي لم يحاول التأكّد من إمكانية تحقيقها. تقول البانطورانيّة، عن غير حقّ، بأنّ العرق التركي يمتدّ من تركيا إلى الأذربيجان الروسيّة والفارسيّة، ومن هناك إلى تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان ومنغوليا… ومن القسطنطينيّة إلى الحدود اليابانيّة، وبالتالي، تدعو إلى قيام دولة واحدة طورانية تضمّ جميع تلك البلدان.
نشأت أدبيات جديدة تشعل الخيال التركي حتّى الذروة لتحقيق هذا الحلم الكبير الخارق: إمبراطوريّة ذات حدود شاسعة. ولم يبق أمام التنفيذ سوى عائق العرق الأرمني المسيطر على هضاب أرضرّوم وكارس ومناطق بدليس ووان، مشكّلاً سدًّا منيعًا أمام التمدّد المطلوب. والحل؟… إنّه سهل المنال بالنسبة للعقل التركي البدائي: القضاء على الأرمن بحدّ السيف.
فَـتـن الأتراك بتلك الفكرة المتسلّطة، لدرجة أنّهم بدأوا يلومون السلاطين الخلفاء السابقين الذين أنشأوا الإمبراطوريّة العثمانيّة لأنّهم لم يطبّقوا، إلاّ جزئيًّا، هذا الحلّ الكامل والمتكامل. والآن، بموازاة الحرب العالميّة الأولى التي اشتركت فيها جميع الدول الكبرى لمحاربة الأتراك، وهي الموقّعة على معاهدات مع الدولة التركيّة لحماية المسيحيين، أصبحت الفرصة سانحة، وردّة الفعل غير مجدية، للقضاء بشكل كامل، مرّة واحدة وإلى الأبد، على هذا الخطر السابق ذكره. لقد جاء الزمن المناسب للأتراك لإبادة العرق الأرمني الرهيب.

Share This