
مذكرات المطران جان نزليان.. ذهنيّة الأتراك الفتيان والترتيبات الخاصّة التي اعتُمدت بحقّ الأرمن الكاثوليك أثناء عمليّات الترحيل والمجازر 1914-1918
أزتاك العربي- مذكرات مطران الأرمن جان نازليان، أسقف طرابزون، عن الأحداث السياسيّة والدينيّة في الشرق الأدنى، من العام 1914 حتّى العام 1928 (3)
ج- ذهنيّة الأتراك الفتيان والترتيبات الخاصّة التي اعتُمدت بحقّ الأرمن الكاثوليك أثناء عمليّات الترحيل والمجازر 1914-1918 (ص. 13-17)
اعترض الرأي العام في البلدان المحايدة، وحتّى في البلدان الحليفة، على أعمال الحكومة التركيّة الصارخة، القائمة على الإبادة الكاملة لعرق معروف في الشرق، من دون تمييز بين المذنب والبريء، بين الأطفال والشيوخ، بين الكهنة والنساء، ومن دون مراعاة الفروقات المذهبيّة بين الغريغوريين والكاثوليك والبروتستانت، ولو جاء هذا الاعتراض متأخرًا.
تَدخّل البابا بنيدكتُس الخامس عشر لدى السلطان محمد الخامس، وكشف الدكتور ليبسيوس حقيقة الفظائع التركية اللاإنسانيّة من خلال تقرير موثّق وضعه إثر تحقيق قام به شخصيًّا في تركيا، والمعلومات الدبلوماسيّة السرّيّة في محفوظات وزارة الخارجية في واشنطن لم تبقَ طويلاً. وفيما كان ناحوم أفندي، كبير الحاخامات في القسطنطينيّة، في مهمّة خاصّة في أميركا الجنوبيّة لصالح الحكومة التركيّة، يقوم بالدعاية لصالح تركيا ضدّ الأرمن المتمرّدين، ناشرًا ألف حيلة وحيلة، كان يهوديٌّ آخر، بصفته سفيرًا للولايات المتّحدة في القسطنطينية [هنري مورغنتاو الأب]، وبمزيد من السلطة، يلقي الضوء على الواقع المُريع لهذه الإبادة التي لا مثيل لها.
وأمام هياج الرأي العام العالمي، ظنّ الأتراك الفتيان أنّ باستطاعتهم ذرّ الرماد في عيون الكاثوليك والبروتستانت، بخاصّة الذين هم في الدول المحايدة والحليفة، وإشاعة الخبر عن أوامر صدرت عنهم لصالح الأرمن التابعين لهاتين الطائفتين. صدرت تلك الأوامر بالفعل، لكنّها أتت بعد أن وصلت عمليّات الترحيل والمجازر التي رافقتها إلى نهاية مأسويّة، وكانت مرفقة بتعليمات سرّيّة تقضي بعدم تطبيقها إلاّ في حالات استثنائية يعود الفصل فيها إلى إرادة المنفِّـذين المطلقة.
بتاريخ 17 آب، صدر أمر عن وزير الداخلية يقضي بوجوب بقاء الأرمن البروتستانت في أماكنهم. وفي 19 آب، صدر أمر مضادّ يقضي بترحيل جميع الأرمن، من دون استثناء.
حاول الدكتور مورتمان، المسؤول في السفارة الألمانيّة، القيام باتصالات لإعفاء الأرمن الكاثوليك في أضنه وأنقره من تدابير الترحيل، أو أقلّه المحافظة على المرحَّلين من أنقره في مدينة أسكي شهر، مثل أولئك الذين وصلوا من كونيا. لكنّ طلعت باشا حاول التملّص في جوابه.
في التاسع من أيلول 1915، قام السيّد شْميت، قنصل ألمانيا في أورشليم، باتصالات مع جمال باشا، لصالح المرحَّلين البروتستانت، فأجابه بأنّه لا يمكنه التعامل إلاّ بما يخصّ النقل العسكري فقط، وذلك بناءً على أوامر صريحة من طلعت باشا.
تمكّنت سفارة النمسا الحصول من طلعت باشا على أمر بإعفاء الأرمن الكاثوليك في أبرشيّة سيواس، وأبرقت الأمر إلى رئيس أساقفة المدينة، لكنّ الوالي محمد لم يسلّم البرقيّة إلى صاحبها إلاّ بعد ترحيل الكاثوليك التابعين لأبرشيتنا، والوالي هو مَن أعطى أمر الترحيل، ولم يُبلَّغ رئيس الأساقفة إلاّ بعد اتصال قام به مع الوالي.
ما أن انتشر خبر إعفاء البروتستانت حتّى بادر بعض القساوسة في المدن إلى الاعتراض على الترحيل، لكنّ الحكّام المحليين هدّدوا بالإعدام كلّ من يرفض الخضوع، أو يحاول منع تنفيذ هذا التدبير القاضي بترحيل الجميع. وجاء ذلك خلافًا للمداخلات الأمريكيّة، وللوعود التي حصلوا عليها. إنّ جميع الأساتذة والتلامذة في المعاهد الأمريكيّة في نيقوميديا وآدابازاري وكونيا ومرسيفون وخربوط وغيرها لاقوا حتفهم أثناء الترحيل. ومقابل الوعود المعطاة من الحكومة المركزيّة، جاءت التفسيرات التعسفيّة التي لقيت تجاوبًا من الحكومة نفسها.
سجّل الدكتور ليبسيوس كيفية تطبيق التدابير بقسوة استثنائيّة للتخلّص من الإكليرُس، كي تبقى الرعيّة من دون رعاة.
ولكن، بالنسبة إلى الأتراك الفتيان، كان الأرمن الكاثوليك يشكّلون خطرًا أكبر من غيرهم، لأنّهم كانوا بحماية فرنسا، الدولة العدوّة، وكانوا موضع اهتمام الكاثوليك في البلدان الحليفة لتركيا. إنّ الأرمن الكاثوليك، خلافًا لإقرار الحكومات العثمانيّة المتكرّر القائل باعتبارهم رعايا مخلصين ومنضبطين، شكّلوا، بنظر الأتراك الفتيان، عنصرًا أكثر خطورة من الأرمن الغريغوريين، بسبب الوحدة الطائفيّة مع الغرب الكاثوليكي، وكان باستطاعتهم، كما في الماضي، إحداث تدخّل للقوى الأوروبيّة يكون أكثر ارتكازًا على القانون والواقع، ضدّ برنامج الأتراك الفتيان القائل بأنّ تركيا هي للأتراك فقط، ويحكمها الأتراك لوحدهم، خارج عن أيّة رقابة خارجيّة، وأيّ تدخّل من أوروبا المسيحيّة.
لذلك، صدرت أوامر مشدّدة للتعامل مع الأرمن الكاثوليك بطريقة أكثر صرامة وحدّة لإبادتهم، واستباق التدخلات المحتملة لبطريركيّة الأرمن الكاثوليك في القسطنطينيّة، وتجنّب اعتراضات الوفد الرسولي لدى سفارات النمسا وألمانيا والولايات المتّحدة وغيرها. وبكلمة واحدة: بما أنّ الأرمن الكاثوليك كانوا أكثر انضباطًا وأكثر التفافًا حول بطريركيتهم، وأبرشياتهم أكثر انتشارًا على طول الإمبراطوريّة التركيّة، اعتبرهم الأتراك الفتيان عناصر متآمرة على استقلال تركيا المطلق، من حيث المبدأ والعقيدة، ويستوحون ميولهم الانفصاليّة بحكم أخوّتهم الدينيّة مع معظم المسيحيين الغربيين. والدليل على هذه العقليّة هو ما تمّ تطبيقه للتخلّص من معظم الإكليرُس الأرمني الكاثوليكي، وما كتبه أحمد رضا بك من مبادئ ومقترحات في كتابه المذكور سابقًا، نقتطف منه ما يلي:
1- على الرغم من تحرّرهم الديني، كما يزعمون، فإنّ معظم الغربيين ما زالوا يتبنّون أفكار الصليبيين أسلافهم، ولم تتغيّر الدوافع العميقة الكامنة وراء أفعالهم.
2- لم تستطع الفترة الطويلة الممتدّة على تسعة قرون إزالة مشاعر الكراهيّة هذه التي جمعها الصليبيّون ضدّ الأتراك، من الشعوب المسيحيّة، ولا تغيير السياسة التي يعتمدها رجال الدولة الغربيّون تجاه الشرق.
3- قامت البابويّة بحمل الناس على التعصّب، وذلك من أجل تحقيق حملاتها، فألهبت المشاعر، وأيقظت الآمال من خلال وعود غير معقولة. وتحت قناع الحضارة الحديثة، ما زلنا نجد أفكارًا ومعتقدات من القرون الوسطى.
4- كثيرون هم رجال السياسة في فرنسا الذين ما زالوا يحافظون على بقيّة باقية من إيمان أجدادهم، وبينهم مَن يعتقد ويقول بأنّه الابن الشرعي للثورة، وهو أشرس الناس ضدّ الإكليرُس. هم كاثوليك بحسب التقليد، ومفكّرون أحرار بحسب الطبع، وديمقراطيّون بخطاباتهم، حين يُطلب منهم مراعاة الرأي العامّ. ولكن عندما يتعلّق الأمر بوضع الانسجام بين أقوالهم وأفعالهم، تراهم غير معنيين بالأمر.
5- ما زالت فرنسا وإيطاليا تحتفظان ببنية كاثوليكيّة. هناك ملايين الأشخاص الذين لا يمارسون، لكنّهم يحتفظون بشعور ديني هو أقوى من المعتقد.
6- في القرون الوسطى، لم يكن الأمر صحيحًا إلاّ إذا كان مقبولاً من الكنيسة، وانتقلت تلك الأخطاء والأحكام المسبقة من جيل إلى جيل. فوزارة الخارجيّة الأميركيّة، والخارجيّة الفرنسيّة، والمجلس الدستوري في إيطاليا حلّوا محلّ الكنيسة، والأوهام السياسيّة محلّ الأحكام الدينيّة المسبقة، والموظفون الخاضعون لهم يستمرّون بنشر الأوهام نفسها.
7- بحسب الأوروبّي الذي يطّلع بواسطة الصحف والكنيسة، إنّ التركي ليس سوى بربريّ ملطّخ دائمًا بدماء ضحاياه… إنّه كائن مؤذ، وسبب مصائب أوروبا كلّها، تغذّيه الكراهية، ولا يوحي إلاّ بالكراهية، والطمأنينة في العالم متوقفة على التخلّص منه.
8- على الغرب أن يُصلح نفسه أوّلاً ليكون أهلاً لتطوير الشرق. لا أستطيع تصوّر أي شيء أكثر عبثيّة، وفي نفس الوقت، أكثر وقاحة، من ادّعاء المسيحيين قيادة الجنس البشري (كلمات بيير لافيت نقلها عنه أحمد رضا). لا تكفي الأفكار اللاهوتيّة لتحقيق وحدة الشعوب، ولا لتقريبهم من بعضهم البعض.
9- في الواقع، لا يحقّ لأي دولة مسيحيّة، بخاصّة من الناحية الأخلاقيّة، فرض القوانين على ضمير المسلمين، وتوجيه أعمالهم.
تكشف تلك الأفكار القليلة، الصادرة عن أحد الأتراك الفتيان الملتزمين، النفسيّة المناوئة للكاثوليكيّة، والمقامة بخاصّة ضدّ الكنيسة والبابويّة، لأنّ أتباعهما يريدون “توسيع مملكتهما والتسلّط على العالم”، وبالتالي، يشكّلون العنصر الأكثر خطورة على تركيا. لذلك، لا ينبغي الاستغراب من سوء معاملة الأرمن الكاثوليك، مثلهم مثل أعضاء اللجان الثوريّة الأرمنيّة.
أحمد رضا هو أحد الأتراك الفتيان الملتزمين المعروف باعتداله. يُشرف على صحيفة “مشفيريت” أو “المراقب”، ومعه مجموعة من الأتراك الفتيان. انتُخب رئيسًا على مجلس النواب الجديد ضدّ إسماعيل كمال، من الحزب الليبرالي، وزعيم المعارضة في لجنة الأتراك الفتيان.
