احتفالية بذكرى شهداء إبادة الأرمن في لبنان بعنوان “جلجلة أزهرت ربيعاً”

احتفالية بذكرى شهداء إبادة الأرمن في لبنان بعنوان “جلجلة أزهرت ربيعاً”

أزتاك العربي- بمناسبة الذكرى الـ104 للإبادة الأرمنية أقيمت في معراب احتفالية بذكرى شهداء إبادة الأرمن في لبنان بعنوان “جلجلة أزهرت ربيعاً” برعاية حزب “القوات اللبنانية”، حضره العديد من الشخصيات السياسية والروحية، ومنهم الأمين العام لحزب الطاشناك النائب هاكوب بقرادونيان، والنائب الكسان ماتوسيان، ورئيس بلدية برج حمود مارديك بوغوصيان.
ألقى الإعلامي نيشان دير هاروتيونيان كلمة الافتتاح قال فيها: “في السجن المركزي في روميه التقيت مجريمين ونظرت إلى احد المحكومين وكان لديه ثلاث أوشام على عينه وعندما سالته عن سبب وجودها قال: “إنه وشم نفسه بسبب قتله إبن عمه وعمه وصديق وكل وشم يرمز إلى جريمة ارتكبتها وفي كل يوم أنظر إلى المرآة أرى الأوشام لأشعر بالخذي والعار”، ولو كان القرن العشرين كائن بشري والتقيتموه لكان على وجه مليون ونصف وشمة، مليون ونصف دليل قاطع على أنه شهد على محاولة إبادة الأرمن. الهدف عند الأتراك كان أن يبقى أرمني واحد في المتحف ليقولوا إنه مر من هنا عبر العصور شعب أرمني إلا أنهم فشلوا في ذلك ونحن اليوم في معراب بدعوة من رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع من أجل أن نحتفل بعد 104 سنوات بمحاولة إبادة العرق الأرمني والأشوري والكلداني والكردي”، مشيراً الى أن “الأرمن يحتفلون بهذه الذكرى في 24 نيسان بإعتبار أن هذا التاريخ يقع في اسبوع الآلام والمسيحيون عبر العالم يتأملون في هذه الفترة بآلام المسيح الذي صلب وعذب ونكل به ولفظ روحه ومات، وبإسم الآب والإبن والروح القدس قهر الموت وقام وبالنسبة للأرمن في أصقاع الأرض نتذكر هذه المجزرة في هذه الفترة بإعتبار أنها سبب وجودنا، والقضية الأرمنية هي سبب وجودي واليوم ان آت إلى هنا من أجل روح جدتي لوسيا وجدي كريكور لاتلو القصة التي عندما قتلوا لجدتي أمها ذبحا وهي في السادسة من العمر تحت الفراش فالتلفزيون هو رسالة من أجل إيصال الفكرة والقضية”.
وأكد أن “الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال البارحة أن الأرمن الذين قتلوا عصابات كان واجب التخلص منها لذا نقول إن العدو أرعن وقح ولا يستحي، لذا أريد أن اوضح للجميع انني أسأل دائما كسائر الأرمنيين من أصل ارمني في هذه الذكرى الوجدانية ماذا يعني لك لبنان لذا أريد أن أقول كمواطن لبناني أعشق هويتي وأرضي وأحب لبنان كما هو بتاريخه وحاضره وبجنونه وفساده وفي هذه الذكرى الوجدانية نسمع صوت فيروز الذي نفتخر انه من الوطن الذي ننتمي له تقول: “بتتلج الدني بتشمس الدني ويا لبنان بحبك تتخلص الدني”.
بعد ذلك تم عرض فيلم وثائقي عن الإبادة الأرمنية.
ثم ألقى رئيس حزب الرامغافار في لبنان سيفاك اكوبيان كلمة قال فيها: “جلجلة أزهرت ربيعاً ليس غريباً على معراب أن تكون ملتقى سنويا لإحياء ذكرى الإبادة الأرمنية. وهذه السنة وبحق تحيي أيضا ذكرى مجازر سيفو ضد الأقليات المسيحية ولا سيما إخواننا في القدر والدم والمصير السريان، فقد عودتنا هذه الدار على الوفاء وصون القضية. نجتمع اليوم في معراب رمز السيادة والحرية لنؤكد أن شعار هذه المناسبة “جلجلة أزهرت ربيعا”، وإن عدنا في التاريخ إلى الوراء، لا بد أن نتوقف عند حقيقة بغاية الأهمية. فبرأينا الأتراك لم يرتكبوا المجازر بحق الأرمن لأسباب دينية ولا نحن نتطلع إلى هذ الصفحة الدموية من التاريخ من المنظار الديني، كون المجازر التي ارتكبها الأتراك لم تكن بحقنا كأرمن مسيحيين وإنما بحق الأقليات القومية الأخرى. وعندما ركب جمال باشا السفاح المشانق في ساحة البرج في بيروت لم يفرق بين مسيحي ومسلم. فقد أبدع الأتراك في إجرامهم خدمة لمشروعهم الطوراني العرقي العنصري للسيطرة على المنطقة.
أما عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب جان طالوزيان، فألقى كلمة قال فيها: “أرادوهم دمعة تجف على خد ذليل، فتحولوا جبهة عالية لا تطالها أيديهم المغمسة بالدماء. أرادوهم رمادا يندثر منسيا على طرقات التاريخ، فتحولوا شُهبا تنير دروب المقهورين. أرادوا سلبهم وطنهم، فحملوا معهم وطنهم في قلوبهم”.
وأشار إلى أن “مأساة أرمينيا تختصر كل مآسي الإنسان في كل مكان وزمان. في نيسان 1915 كان الأرمن على موعد مع إعصار الموت الذي خططت له السلطات التركية. فكان أول الغيث قافلة من النخبة الأرمنية تضم زعماء سياسيين وحزبيين ورجال دين وفنانين وأدباء ومثقفين تم إعدامهم بهدف فصل الرأس عن جسد الأمة. ثم عمدوا إلى إغتيال الضباط والجنود الأرمن الذين كانوا قد قاموا بواجبهم بإخلاص إلى جانب الأتراك على جبهة القوقاز وسقط منهم شهداء. وبدأت رحلة الموت وتفنن الأتراك في أعمال الإبادة فابتكروا اساليب جديدة للقتل والتعذيب ومن لم يسق إلى الذبح، سيق في قطعان بشرية إلى مصير مجهول في مناطق صحراوية، تاركا وراءه أحبة لن يراهم مجددا”.
وقال: “ما لا يعرفه الكثيرون هو أن محاولة الإبادة كانت قد بدأت قبل ربع قرن والتي توجت في العام 1895 بمجازر غطت كل أرمينيا التركية وكانت نتيجتها إبادة مئات الآلاف ونهب القرى وإحراق وتدمير مئات الكنائس، والجريمة ما زالت مستمرة. فما يحصل في كاراباخ من إعتداءات من قبل أذربيجان بمساعدة تركية في محاولة لسلب الأرض، ما هي إلا استمرار لما حصل قبل مئة عام. ومن يعرف ميزان القوى على تلك الجبهة يدرك تماما أن ثبات الأرمن هناك ليس إلا نتيجة لإيمانهم بقضيتهم”.
واعتبر أن “المضحك المبكي والمخجل في آن، أن الإدانة ثابتة وتضيق بها الأدلة والبراهين والمجرم لا يزال ينكر جريمته. لكن القضية الأرمنية لا تزال حية من خلال نشاطات ثقافية واجتماعية وفنية تقوم بها القوى الحية في صفوف الشعب الأرمني ومن خلال مؤتمرات دولية ذات أبعاد حقوقية وإنسانية هدفها الحفاظ على مواقف ثابتة ومبدئية لنيل الحقوق. وخلال سيرة النضال هذه تزايد عدد الدول التي اعترفت بالإبادة الأرمنية وذهب بعضها إلى اعتبار إنكار الإبادة هو جرم بحد ذاته”. وشدد على أنه “لا يمكن للقضية الأرمنية أن تموت، فلا القانون الدولي يعترف بمرور الزمن في جرائم الإبادة ولا الإنسانية تقبل به. وكذلك الشعب الأرمني لا يقبل به. فهذا الشعب الذي وصفه الكاتب أنتوني بونار في كتابه (L’exil Armenien) إن هذا الشعب المؤمن والمحارب لا يمكن لتضحيته أن تموت. توزع الأرمن على بلدان كثيرة فاندمجوا في مجتمعاتها حيث تنظموا وبنوا المدارس وعملوا وخرجوا من المياتم بما يشبه القيامة واسسوا عائلات، وشاركوا في نهضة البلدان التي احتضنتهم وابدعوا في مختلف المجالات الفنية والثقافية والعلمية. إلا أن العلاقة مع لبنان كانت مختلفة فسرعان ما أصبح لبنان عاصمة الإنتشار الأرمني. وبينما كانت يريفان تبني ارمينيا السوفيتية كان أرمن لبنان يبنون أرمينيا الإنتشار. صحيح أن طبيعة النظام الحر كان عاملا أساسيا وكذلك تنوع المجتمع اللبناني ساعد الأرمن على الإنخراط. ثم هناك عامل آخر وهو تاريخ المقاومة والنضال على مر السنين لكل من هذين الشعبين. إلا أن كل هذا لا يفسر سر هذا الاندماج الذي جاء طبيعيا لا سيما وان الشعبين لا قرابة بينهما، بما يشبه قول الشاعر: لا يمتان بالقربى، وبينهما تلك القرابة لم يعرف لها سبب”.
وبدوره قال رئيس اللجنة التنفيذية لحزب الهنشاك في لبنان سيبوه قالباكيان في كلمته: “كنت أبحث عن كلام جديد استهل به كلمتي اليوم بينكم خارج اطار المكرر عن القضية الارمنية. قلت ربما مل بعضكم تكرار سماعنا نطالب بالعدالة والاعتراف والتعويض. فلم لا ابحث عن مقاربة جديدة؟ لكنني، ايتها السيدات والسادة، وجدت نفسي مشدودا الى تكرار شعارات قضيتي، قضيتنا، قضية الانسانية والضمير الانساني. وساظل اكررها وسيكررها معي، ومن بعدي، كل شاب وصبية أرمنية. فما مات حق وراءه مطالب. فكيف اذا كان المطالبون شعبا وامة قدمت مليون ونصف مليون شهيد على مذبح الوطنية والتمسك بالجذور والهوية والايمان؟. نعم، بعد 104 سنوات، ها انا ورفاق لي نقف بينكم ونطالب بالفم الملآن: ليعترف العالم بالمجزرة الارمنية ولتعترف تركيا وتعيد الحق السليب الى اهله. نلتقي اليوم مجددا في معراب لإحياء ذكرى أول جريمة إبادة جماعية في القرن العشرين، والذي راح ضحيتها مليون ونصف المليون أرمني. ولا ننسى مئات الآف شهداء مجازر “سيفو” التي تعرض لها الشعب السرياني- الآشوري – الكلداني وعشرات الآلاف من اللبنانيين الذين سقطوا ضحية سياسة التتريك والفصل العنصري والقهر والتجويع والإضطهاد الذي مارسه العثمانيون الأتراك. ونحن على ثقة، أن تضامن حزب القوات اللبنانية مع قضيتنا ووقوفه الى جانب نضال شعبنا الأرمني، وجميع الشعوب المضطهدة في المنطقة، ليس ظرفيا أو شرطيا. فالقوات التي تحمل في وجدانها الارث النضالي لشعب قاوم التتريك العثماني وكل من هدد الكيان اللبناني، اختبرت معنى الشهادة دفاعا عن لبنان وحرية قراره. فتحية من حزب الهنشاك الإشتراكي الديمقراطي لحزب القوات اللبنانية. تحية لكل الاحرار الذين يشهدون للحق ويؤمنون بالحرية والعدالة”.
وأوضح أن “إحياء ذكرى الإبادة وإستذكار الشهداء ليست مناسبة للحزن أو البكاء على الأطلال. احياء الذكرى فعل تمسك بالذاكرة والهوية. احياء الذكرى لنقول للعالم: نحن هنا ابناء واحفاد الشهداء لم ننس ولن ننسى أو نتهاون في حقوق شعبنا. من خلال إحياء ذكرى الجريمة الكبرى التي لحقت بشعبنا نتذكر ونتضامن مع ضحايا جميع الشعوب التي تعرضت للأبادات، وآخرهم شهداء الأيزيديين والمسيحيين والمسلمين الذين سقطوا ضحايا جرائم المنظمات الإرهابية التكفيرية. وفيما نحن نطالب ونعمل على احقاق العدالة لشعوبنا، ونناضل من أجل معاقبة المجرمين الأوائل لمنع الجرائم الجديدة، ها هي تركيا عوضا من أن تتواجه مع ماضيها وتتعلم من اخطاءها التاريخية، تقوم اليوم بدعم المنظمات التكفيرية التي تنشر ارهابا وإجراما في المنطقة وتزيد على سجلها جرائم جديدة”.
وأشار إلى أنه “قبل مئة واربع سنوات وصل شعبنا الى لبنان، حيث استقبلهم ابناؤه وضمدوا جراحهم. وهنا ترسخت جذورنا. دمجنا الهوية الأرمنية بالهوية اللبنانية فكان اللبناني من أصل أرمني، إنسان غني بالثقافتين العريقتين، يفتخر بماضيه ويعتز بحاضره”. وقال :”نتشارك اليوم كلبنانيين وأرمن القيم نفسها. قيم العدالة والحرية وحقوق الانسان. وحرصا منا على هذه القيم وعلى دور لبنان في ترجمتها فاننا نتمسك بضرورة النأي عن صراعات المنطقة، والانصراف الى تمتين وحدتنا الداخلية وتوافقنا الوطني. ولدينا تحديات كثيرة للنهوض بها ليس ابسطها واقعنا الاقتصادي الذي صار هاجس الناس ومصدر قلقهم”.
وختم قائلاً: “من هنا، من معراب نجدد العهد للمرة المليون والـ 500 الف، بأننا لن ننسى ولن نتراجع عن مطالبة تركيا بالإعتراف بجريمة الابادة والتعويض. ومن يراهن على نسياننا سوف يخسر وسيكون النصر لنا، النصر الاكيد لنا”.
تلا ذلك كلمة وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيوموجيان قال فيها: “للسنة الرابعة على التوالي أهلا وسهلا بكم في معراب، معراب القلعة والمقاومة والثبات والثورة على الظلم والفساد، معراب سمير جعجع ومعراب حزب القوات اللبنانية الملتزم قضايا الحق الإنساني، فكيف بالحري قضيتنا، قضية إبادة شعب وقضية عدالة وقضية اعتراف بالتاريخ وحقائق هذا التاريخ. مثل كل سنة، نلتقي واياكم بفرح عظيم، مع أن المناسبة حزينة وفيها رهبة. هذه الفرح هو فرح الرب، فرح التضحية، لاننا جميعا ابناء كنيسة نضال وكنيسة رجاء وقيامة. نلتقي لنصلي ونتذكر ونطالِب. نلتقي لنتكلم عن علاقة الأرمن بلبنان ودورهم الريادي في كل الميادين. من الممكن أن الكلام عن “علاقة” هو خطأ وكأن الأرمن ولبنان كيانان مختلفان، فلبنان بالنسبة لنا شجرة أرز وفي الأرزة هناك الجذع والأغصان والجذور هم كل متكامل. دماء وعرق الأرمن اللبنانيين روت تراب هذه الارزة وهي تسري في جذوعها وإغصانها وجذورها”.
وقال : “منذ الصغر كان دائما يسأل والده: “لماذا عائلتك هي نحن فقط، أنا وإخوتي وامي، كان يجيب: “لأن الباقين ماتوا جميعا”، فكان يسأله لماذا عائلة أهلك كانت صغيرة أيضا وكان يجيبه أيضا: “لأن الباقين ماتوا جميعا”. كان يسأله لماذا ليس لديك أولا عم وعمة أو أولاد خال وخالة كان يجيب: “لأن الباقين ماتوا جميعا”، فلأجل هؤلاء الذين ماتوا جميعا سنجتمع دائما لنقول: “لم يموتوا فهم لا يزالون أحياء فينا وسيبقون كلذلك مع كل طلوع فجر وشروق شمس من خلف جبال أرارات الشامخة. وسيبقون كذلك إلى الأبد مع شمس تغيب في أفق بحر لبنان العظيم”.
وأشار الى أن “لبنان الوطن والشعب له علينا الكثير ولكن في المقابل لم نقصر أبدا مع لبنان الدولة، لذلك وبالأذن منكم “حكيم” من الممكن أنه أصبح الوقت أن أطلب من زملائي الوزراء والنواب في تكتل الجمهورية القوية وبالتعاون مع الكتل النيابية الأخرى العمل على مجموعة مشاريع واقتراحات قوانين: أولا: جعل يوم 24 نيسان يوم عطلة وطنية ويوم صلاة عن ارواح شهداء الإبادة الأرمنية والأقليات الأخرى. ثانيا: تعديل المناهج التربوية بحيث يتم اضافة موضوع الإبادة والقضية الأرمنية لتصبح جزءا من كتب تدريس التاريخ اللبناني. ثالثا: تعديل المناهج التربوية بحيث يتم ادخال اللغات القديمة لا سيما اليونانية والروسية واللاتينية والسريانية والأرمنية، كمادة أساسية في المرحلة الثانوية، فيختار الطالب احداها على ان تُعتمد مادة تعويض اختيارية rachat في الامتحانات الرسمية كما هو معتمد في عدة بلدان. رابعا: اعادة الاعتبار الى يوم 6 أيار. لا يضيرنا الإبقاء عليه كيوم لشهداء الصحافة اللبنانية ولكنه بالأساس هو عيد شهداء لبنان الذين قاوموا الاحتلال العثماني وناضلوا من اجل الاستقلال والتحرر. فلنعد لهذا العيد معناه الحقيقي. خامسا: اعادة الاعتبار الى ساحة الشهداء في وسط العاصمة بيروت فيعاد تأهيلها بيئيا وفنيا وثقافيا ومعلوماتيا بما يليق بتاريخ الشهداء وبيروت ولبنان”.
والقى بعده المعاون البطريركي للسريان الكاثوليك المطران شارل مراد كلمة قال فيها: “يقال إن الزمن كفيل بالنسيان، وإن صحت هذهِ المقولة، فهل فعلا يطوي الدهر معه حزن الأمسِ ووجع الماضي ؟ هل يمحو من الذاكرة كل أنواعِ الألم وكل أشكالِ الظلم ؟ هل ينسي اليتيم صرخة التقاط أمِه النفس الأخير، ويعوض عنه خسارة الوطن والأرض والأرزاق ؟ هل يعيد وصل من اقتلع قسرا من جذوره وشرد من أرضِ أجدادِه ؟ هل من ينسى كل هذا ؟”.
وتابع: “إن نسي صاحب كل حق حقه، فكيف يمحو من ذاكرة الظالمِ رائحة الدم الزكي الذي سفكه وصدى أنين الأرواح التي أزهقها والكرامات التي استباحها! هل من ضمير لا يثقله هول الجريمة والخطيئة؟ وكيف لو كانت الجريمة، إبادة طالت حياة أكثر من مليون إنسان، نهبت ممتلكاتهم وشرد من تبقى منهم إلى البعيد ليغدوا على سعة الأرض في ترحال دائم. كيف يتبرر من هول تلك الخطيئة من خطط وأعد ونفذ مجزرة، فأعطى نفسه الحق في تطهير العالم من شريك خلق مثله على صورة الله ومثاله؟ هل من ينسى كل هذا؟”.
وقال: “لا.. إن ما حدث من مآس وآلام لا يمكن أن ننساه، ولا يمكن للتاريخ أن ينسى أناسا طالهم السيف فيما كانوا آمنين عزل، ولا أن يمحو من كتابه صفحات لطخت بعار الجريمة التي قوبلت ولا تزال بصمت دولي. جراحنا لم تلتئم، وما زالت تنزف لأن دم أجدادنا ما زال يصرخ فينا، يطالبنا بالإقرار، لأن الإنكار أشد ظلما من الخطيئة نفسها. فكيف ننسى؟ لا لم ننس، ولم تتوان يوما كنيستنا السريانية الكاثوليكية في التزامها أمام شهدائها بمسؤولية الوقوف وقفة تاريخية لإيقاظ الضمير الإنساني القابع في سبات عميق، لحثه على الإعتراف بهذه المجزرة. إلا أن قضيتنا ليست سريانية بحت، وليست قضية مسيحية مشرقية فقط، بل إنها قضية إنسانية بامتياز. إنها قضية قتل الإنسان لأخيه الإنسان، منذ قتل قايين أخاه هابيل؛ قضية عمرها من عمر البشرية، أظهرت الضعف البشري وميل الإنسان للغدر والتفرد”. ولفت إلى أن “قايين لم يكتف بقتل أخيه هابيل ليلغي وجوده ويستفرد بالخيرات، ولكنه لم يقر بالخطأ ولم يتحمل مسؤولية جريمته. وحين سأله الرب، كما ورد في سفر التكوين ( تك 4 : 10): “ماذا فعلت؟ دم أخيك‌ يصرخ إلي من الأرض”، أنكر قايين فعلته. بالطبع الله عالم بما فعل قايين، إنما بسؤاله: ماذا فعلت؟ كان يطلب من قايين التوبة إزاء صرخة أخيه المظلوم والضعيف، والذي يقدر الله وحده أن يرد له حقه بواسطة العدالة. إنما شاء الله أن يظهر له خطورة الإنكار ورفض التوبة، التي تهدد مصير الظالم مهما طال العقاب. في هذه الجريمة الأولى التي وردت في الكتاب المقدس، عبرة لمن لا يعتبر. عسانا نعلم أن مصير الظالم في هذه الدنيا أشد قساوة من فظاعة جريمته، أما من تمسك ببسالة بايمانه وأرضه وعرضه، نال بموته إكليل الشهادة وازدان بثوب الفضيلة والنعمة والقداسة”.
وشدد على ان “ذكرى سيفو ستبقى محفورة في قلوبنا وعقولنا ولن تمحى من ذاكرة شعبنا مهما طال الزمن، لأن شعبا بلا ذاكرة هو شعب بلا تاريخ وبلا قضية. لكن حاضرنا ومستقبلنا بات مربوطا بالأرض التي شاءت الأقدار أن يستقر فيها أجدادنا وينموا ويتكاثروا، فأصبحوا من نسيج هذا الوطن الذي نحمل هويته بكل فخر ونشكل جزءا من تراثه وثقافته”.
وأشار إلى اننا “نجتمع اليوم لنحيي ذكرى أجدادنا، وما أشبه اليوم بالأمس، فما زال أبناء طائفتنا السريانية يعانون مفاعيل ثقافة الإلغاء، في ظل نظام يصنفنا “أقليات مسيحية” ولا يعطينا حقنا في التمثيل السياسي، رغم عملنا الدؤوب يدا بيد مع كل الشركاء في الوطن لبنيان المستقبل الآمن، ورغم أننا لم نوفر جهدا في دعم كل قضايا اللبنانيين. لكن صمود أجدادنا وصلابة تاريخنا، يعطينا الزخم اللازم لنتجذر ونصمد ونصبر، راجين أن يعلم الشريك في الوطن أننا حراس على الوزنات التي وهبنا الله وينبغي أن نعمل جميعا على أن تثمر كل المواهب، بما فيه خير المجتمع”.
وختم قائلا: “لا يسعنا اليوم في الذكرى الرابعة بعد المئة لمذابح السيفو، الا أن نصلي لراحة أنفس آبائنا وأمهاتنا القديسين الذين جاهدوا الجهاد الحسن محافظين على ايمانهم بيسوع المسيح، ونالوا أكاليل الشهادة الواحد تلو الآخر، وهم فرحون ومتأكدون أن لهم وطنا أفضل في ملكوت السموات، رحمهم الله ورحمنا بصلواتهم جميعا، آمين”.
بدوره قال وزير السياحة أواديس كيدنيان في كلمته: “للسنة الرابعة على التوالي يجمعنا رئيس القوات من أجل إحياء الذكرى الأرمنية وأتمنى أن يكون في المرة الخامسة الحضور لا يقتصر فقط على الأرمن”.
وطالب “برد إعتبار 6 ايار باعتبار أن الذاكرة البشرية تتمتع بنعمة النسيان إذا لم يكن هناك من منبه يذكرنا بالواقع الأليم لذا يجب ألا ننسى أن ما لحق بالأرمن لحق بجميع شعوب المنطقة على مر 400 سنة”.
وأشار إلى أننا “في الآونة الأخيرة شهدنا ظاهرة إسمها الداعشية والضمير البشري لم يستطع أن يستوعب كيف يرتكب الإنسان تجاه أخيه الإنسان أبشع الفظائع التي ارتكبتها إلا أن ما شهدناه هو صورة مصغرة عن الإبادة الأرمنية التي عاشتها الإنسانية، صحيح ان مطلبنا واحد وأحد من المرتكب وهو الإعتراف بهذه الإبادة إلا أن المطلب الأكبر هو من المجتمع الدولي للإعتراف بهذه الإبادة، فالواقع القاسي يتيح للمرتكب أن يسمح لنفسه في ذكرى الإبادة وصف الأرمن الذين كانوا ضحية أجداده في انهم يستحقون المصير الذي نالوه”.
مشدداً على أننا “في لبنان لدينا كل الإحترام والوفاء لشعب وحكومة وأرض استقبلتنا ورحبت فينا وسمحت لنا بممارسة طقوسنا الدينية وتعليم لغتنا والحفاظ على تاريخنا والمطلوب أن نجهد في ان نعمل على الوحدة ما بين أطياف الشعب اللبناني ونحن لنا الحق كمجموعة تعرضت لأبشع ما يمكن أن يوصف في التاريخ في أن يكون من الممكن أن نحي يوما من أجل إستذكار هذه المآسي. جميع القادة اللبنانيين على تضامنهم مع قضيتنا الأرمنية. وأكد على أن المطلوب الاهتمام أكثر على مفهوم التعايش، وأنه من حق الأرمن الذين شهدوا أفضع الاضطهادات أن يكون لهم يوم لإحياء الإبادة”.
كما ألقى جعجع كلمة قال فيها: في الذكرى ال104 للمجازر الأرمنية ومجازر سيفو التي حصلت بحق الشعوب السريانية والأشورية والكلدانية، 104 تحيات وتحية لشهداء الحق والواجب والإنسانية. 104 تحيات وتحية من مقر القوات اللبنانية، ومن كل منطقة لبنانية عرفت مثلكم معنى النضال والشهادة والبطولة والحرية.
ولفت الى أنه: “نلتقي اليوم هنا كما في كل سنة، لا لنحيي ذكرى المجازر فحسب، بل لنجدد الولاء للقضية الأرمنية والقضية السريانية والأشورية والكلدانية التي لم تمت ولن تموت، رغم السنين والعقود. يكفيها فخرا أنها لم ترتو من الخلود والمجد والذكرى، رغم عشرات السنين، بينما المجرمون لن يشبعوا موتا وبلاء ولعنات الى ابد الآبدين”.
وقال: “إن كل ليل يحمل في طياته بذور فجره ونهاره، وكل استشهاد يحمل في ذاته بذور قيامته وانتصاره، وكل جلجلة تحمل بذاتها بذور ربيعها، وكل شهيد من آبائكم وأجدادكم حمل لكم بدمائه بذور الأمل والرجاء بغد أكثر إشراقا، وعدالة وإنسانية. صحيح أن شهداء المجازر خسروا حياتهم، لكنهم ربحوا خلود ذكراهم. صحيح أنهم خسروا أراضيهم وممتلكاتهم، لكنهم ربحوا شرفهم وكرامتهم. صحيح أنهم قاسوا كل أنواع القهر والعذابات بسبب قناعاتهم وإيمانهم، لكنهم أقبلوا على حمل صليبهم بفرح عظيم. لا تبكي يا أرض أرمينيا التاريخية ويا أرض مذابح سيفو في ذكرى شهدائك الأبرار، بل افرحي وهللي اليوم بأبنائهم وأحفادهم الأحياء الذين صمدوا، ضمدوا جراحاتهم وكفكفوا دموعهم، ولملموا ذكرياتهم المبعثرة، وتسلحوا بإيمان يزحزح الجبال، وحملوا محبة وطنهم والقضية في قلوبهم حيثما حلوا، وأكملوا المسيرة حتى يتذوقوا نصرا ولو بعد حين، أو يكونوا شهداء للحق حيث الموت عرس فخر للأبطال. إنما النصر صبر ساعة، وانتصار قضية الشعوب المشرقية المقهورة سيكون مدويا وحاسما ونهائيا لأنه صبر أجيال وأجيال”.
وأشار الى أن قضية الشعوب الأرمنية والسريانية والأشورية والكلدانية لم تبدأ اواخر القرن التاسع عشر وتنته في اوائله فحسب، وإنما هي بدأت مع قايين وهابيل، واستمرت مع كل كرامة إنسانية منتهكة وكل حق مغتصب وكل حرية مسلوبة. وإن مقاومة هذه الشعوب المشرقية لا تنحصر عند حدود المجازر الأرمنية ومجازر سيفو فحسب، بل تشمل كل شعب مضطهد ومظلوم في كل مكان وزمان. وقال: “إن شهداء الإبادة الأرمنية وشهداء سيفو ليسوا شهداء المسيحية المشرقية فحسب، بل شهداء كل الشعوب المشرقية، وشهداء الإسلام المعتدل الذي يناضل خصوصا اليوم بدوره أيضا حتى تعم روح المحبة والإخاء والسلام والمساواة في هذا الشرق”.

Share This