مذكرات المطران جان نزليان.. حقيقة المجازر الأرمنية والمسؤوليّات

مذكرات المطران جان نزليان.. حقيقة المجازر الأرمنية والمسؤوليّات

 

أزتاك العربي- مذكرات مطران الأرمن جان نازليان، أسقف طرابزون، عن الأحداث السياسيّة والدينيّة في الشرق الأدنى، من العام 1914 حتّى العام 1928 (4)

د-حقيقة المجازر والمسؤوليّات (ص 17-35)

في كتابه المعزّز بالوثائق وعنوانه “عصبة الأمم والقوى العظمى أمام القضيّة الأرمنيّة” يكرّس السيّد أندريه ماندلستام، كبير المترجمين السابق في السفارة الروسيّة في القسطنطينيّة، والمدير السابق في وزارة الخارجيّة الروسيّة، فصلاً كاملاً للوثائق الدبلوماسيّة الرئيسيّة العائدة إلى المجازر، نقتطف منه ما يلي:

” إنّ حكومة الأتراك الفتيان استغلّت الحرب العالميّة لإبادة حوالي مليون أرمني في تركيا، أكان بالقتل المباشر، أو بتركهم يموتون من الجوع، أو العطش، أو الأمراض، أو المعاملة السيئة. إبّان فصلَي الربيع والصيف من العام 1915، وبأمر من حكومة الأتراك الفتيان إلى قادة الجيش والسلطات المدنيّة في المحافظات، تمّ القضاء على قسم من الأرمن في الولايات التركيّة الشرقيّة، في أماكن تواجدهم، ورُحِّل القسم الآخر نحو الجنوب، وتمّ القضاء عليهم في الطريق.”

جاء اضطهاد الأرمن والمذابح التي تعرّضوا لها في تلك الفترة (1914-1915) أكثر قسوة من سابقاتها. وهل باستطاعة الأتـراك إلاّ أن يغتنموا تلك الفرصة الملائمة للقضاء على هؤلاء المسيحيين المكروهين. فبعد عمليّات الترحيل والقتل التي جرت في أرمينيا الكبرى والصغرى، جاء دور المجاعة المفتعلة من الأتراك للقضاء على الجنس الأرمني، وصارت المدن والقرى تعجّ بقوافل الأرمن المعدّة للذبح. بلغ عدد الضحايا، من ساحل البحر الأسود حتّى صحاري سوريا وبلاد ما بين النهرين، أكثر من مليون ضحيّة، كما جاء في شهادة أحد المرسَلين الطليان. يقول رينه بينون، في كتابه “القضاء على الأرمن” المنشور في العام 1916، أي أثناء المجازر التي بدأت منذ منتصف العام السابق، إنّ عدد الضحايا الوارد في بعض الصحف والمقدّر بـ 850،000 هو مبالغ به، ويعتقد أنّ العدد الأصحّ هو حوالي 500،000. نضيف إليه، من دون مبالغة، مليونًا آخر من الضحايا الذين سقطوا نتيجة التدابير المتخذة أثناء الحرب وما بعدها حتّى تاريخ إخلاء كيليكيا وولايات الأناضول حين عاد قسم كبير من الناجين بعد إعلان هدنة مودروس [مدينة واقعة في جزيرة ليمنوس اليونانيّة].

لم تتّخذ السلطات التركيّة أي تدبير لتموين القوافل، وتأمين الحماية لها، بل قامت بتشجيع وحتّى بتدبير الهجوم عليها، ونهبها من قبل القرويين وقطّاع الطرق الأتراك والأكراد، أو القضاء عليها من قبل رجال الدرك أنفسهم المسؤولين عن حمايتها. سقط آلاف المرحَّلين المنهوكين، نتيجة الجوع والعطش والتعب. وفي بعض الأحيان، كان الجلاّدون يقومون بإغراق ضحاياهم في الأنهر، أو يحرقوهم أحياء، أو ينهالون عليهم بالضرب، ويتفنّنون معهم بأبشع أنواع التعذيب. وفي غالب الأحيان، يخطفون الصبايا والأولاد، ويبيعوهم إلى بيوت الحريم عند المسلمين. وكان بعض المرحَّلين يموتون من الجوع أو المرض عند وصولهم إلى معسكرات الاعتقال غير الصحيّة في بلاد ما بين النهرين أو الصحراء العربيّة، أو بكلّ بساطة، يتمّ قتلهم فيها. قال ليبسيوس، الشاهد الألماني: “إنّ ترحيل الأرمن لم يكن سوى وسيلة مهذبة للقضاء عليهم”.

جرت هذه الأعمال الفظيعة أثناء الحرب الكبرى، وتمّ التحقّق منها من خلال أدلّة دامغة. جمع “الكتاب الأزرق” الصادر عن الإنكليز، ومنشور “جمعيّة إغاثة الأرمن” السويسريّة، مادّة فادحة بحقّ تركيا، صادرة بمعظمها عن شهود عيان من جنسيّات محايدة، كالأمريكان والسويسريين والدانماركيين، وعن مرسَلين، وراهبات المحبّة، وموظفي الصليب الأحمر، والأطباء، والمعلّمين؛ وهناك بعض الشهادات الصادرة عن الألمان أنفسهم، مثل شهادة الأستاذ مارتن نيباج [أستاذ الصفوف العليا في المعهد التقني الألماني في حلب]. وبعد الحرب، أجازت الحكومة الألمانيّة للدكتور يوهانس ليبسيوس نشر مراسلات وزارة الخارجيّة، منذ العام 1914 حتّى العام 1918، وفيها ما يبيّن، بشكل فاضح، الفظائع التي ارتكبها الحليف التركي (ألمانيا والأرمن، يوهانس ليبسيوس، بوتسدام، 1919)…

ما جمعه الدكتور ليبسيوس في تلك التقارير يدحض بشكل كامل ونهائي جميع الروايات والأكاذيب التي روّج لها الأتراك الفتيان لإنكار مسؤوليتهم أو التقليل من أهميّتها. كما جاء الكتاب ليضع حدًّا للرواية التركيّة الرسميّة عن أعمال العصيان التي قام بها الأرمن. قبل البدء بعمليّات الترحيل، لم تجرِ سوى ثلاثة صدامات قليلة الأهميّة بين رجال الدرك وبعض الفارّين من الجنديّة في موش وزيتون ووان. وبعد البدء في المجازر، وفي بعض الأماكن مثل أورفا ووان والسويديّة وشاهين كاراهيسار [في حزيران 1915، قامت ميليشيا الهنشاق المؤلّفة من 250 رجلاً بانتفاضة ضدّ القوّات العثمانيّة، وتمركزوا في حصن خارج المدينة، وقاوموا الهجوم العثماني لمدّة شهر كامل] لم يبد الأرمن سوى مقاومة مسلّحة للقادمين لقتلهم، رأى فيها الأتراك مقاومة غير مرغوب فيها، وهم المعتادون، حسب ما كان يجري في الماضي، على موقف لا مبال من الضحايا. وهكذا، فإنّ ثورة وان الذائعة الصيت تمّت على الشكل التالي: بعد أن قام الوالي جودت بك بالهجوم على القرى المجاورة، والفتك ببعض الزعماء الأرمن، تحصّن أرمن وان في حيّهم، واستبسلوا في الدفاع عنه ضدّ القوات التركيّة لحين وصول الجيش الروسي.

ولم يَخسر الأتراك أكثر من ثلاثمئة رجل في جميع تلك الانتفاضات المزعومة، حسب ما قاله الألمان (راجع كتاب الدكتور ليبسيوس: ألمانيا والأرمن، ص. 78-69).

إنّ تقارير القناصل الألمان تقدّم تكذيبًا قاطعًا لاتهام آخر ساقه الأتراك بحقّ الأرمن، وهو التخطيط لعصيان شامل في جميع أنحاء الإمبراطورية. تؤكّد هذه التقارير عكس ذلك القول، وتقول بأنّ سلوك الأرمن لا غبار عليه، ولا وجود لأيّ دليل على خيانتهم (راجع كتاب الدكتور ليبسيوس: ألمانيا والأرمن، ص. 70).

أخيرًا، إنّ أخبار القيل والقال التركيّة عن مجازر ارتكبها الأرمن بحقّ الأتراك ليست إلاّ ضربًا من ضروب الخيال. في كتابه المذكور، يقدّم الدكتور ليبسيوس مثلاً عن تلك الاتهامات التركيّة النابعة عن نيّة سيئة واضحة. في 29 حزيران 1915، صدر بيان تركي يؤكّد أنّ ثلاثين ألفًا فقط من السكّان المسلمين في ولاية وان، البالغ عددهم مئة وثمانون ألفًا، تمكنوا من النجاة، فيما ظلّ الآخَرون تحت رحمة الروس والأرمن، من دون معرفة شيء عن مصيرهم. وبدوره، صرّح أنور باشا بأنّ ثلاثين ألفًا فقط من أصل السكّان الأتراك في ولاية وان، البالغ عددهم مئة وخمسون ألفًا، بقوا على قيد الحياة. وأخيرًا، صدر بيان عن السفارة التركيّة في برلين، بتاريخ 1 تشرين الأوّل 1915، يتكلّم عن ثورة الأرمن في وان التي قضت على مئة وثمانين ألفًا من مسلمي المدينة. وفي الحقيقة، إنّ ثلاثين ألفًا من أتراك وان هربوا أمام تقدّم الجيش الروسي، وليس بسبب ثورة الأرمن. وفيما يتعلّق بالمئة وخمسون ألفًا من المسلمين الأكراد الباقون في المدينة، فهم لم يعانوا شيئًا، لا من الروس، ولا من الأرمن. وقد بلغت خسائر الأتراك بالأرواح، أثناء اضطرابات وان، حوالي 18 رجلاً، وليس 180،000 ، حسب ما قال ليبسيوس (راجع كتاب الدكتور ليبسيوس: ألمانيا والأرمن، ص. 72-74)، وقام الأرمن بالدفاع عن أنفسهم أمام الهجمات التركيّة. وسوف نورد بعض التفاصيل في القسم الثاني من تلك المدوّنات.

من الممكن أن تكون قد حصلت أعمال انتقاميّة فرديّة قام بها بعض الأرمن، لكنّها حصلت، وفق قول ليبسيوس الصائب، وبعض المصادر التركيّة، بعد عمليّات الترحيل والمجازر، وليس قبلها (راجع كتاب الدكتور ليبسيوس: ألمانيا والأرمن، ص. 74). لكنّ المساهمة الأهمّ التي قدّمها هذا الكتاب الألماني بالنسبة إلى تاريخ العلاقات التركيّة الأرمنيّة أثناء الحرب الكبرى هي التأكيد على صحّة الشهادات الأخرى عن دور الحكومة التركيّة في عمليّة تنظيم المذابح.

تـتّــفق جميع التقارير الدبلوماسيّة والقنصليّة الألمانيّة على القول بأنّ المجازر تمّت بناءً على أمر من الحكومة الساعية إلى تطبيق مخطّط مدروس للقضاء على الشعب الأرمني بأكمله. وفيما يلي مقتطفات من تلك التقارير (راجع كتاب الدكتور ليبسيوس: ألمانيا والأرمن، ص. 76):

– “هذا ليس أقلّ من تدمير شعب بأكمله أو أسلمته بالقوّة” (تقرير القنصل كوشكوف من سمسون، 4 تموز 1916، رقم 116).

– في 7 تموز 1915، يقرّ ممثل ألمانيا المصمّم على توجيه إنذار شديد اللهجة إلى الحكومة التركيّة بما يلي: “منذ خمسة عشر يومًا كان ترحيل الأرمن ونفيهم مقتصرًا على المدن الواقعة على حدود الجبهة الشرقيّة، وعلى بعض المناطق الواقعة في ولاية أضنه. ومنذ ذلك الحين، قرّر الباب العالي توسيع الإجراء المذكور ليشمل ولايات طرابزون ومعمورة العزيز وسيواس، وقد بدأ التطبيق بالفعل، على الرغم من أنّ تلك المناطق ليست مهدّدة بشكل مباشر من تقدّم العدو. إنّ ظروف هذا القرار، والطريقة التي يتمّ فيها تطبيق الإجراء المذكور تثبت أنّ الحكومة التركيّة تعتزم فعلاً القضاء على الجماعة الأرمنيّة الموجودة في الإمبراطوريّة.”

أعتقد أنّ التقارير التي أرسلتها في السابق تبيّن أنّ الحكومة التركيّة تجاوزت، إلى حدّ بعيد، حدود الحماية المشروعة ضدّ المؤامرات الأرمنيّة، أكانت حقيقيّة أو مزعومة، وإنّ توسيع الإجراء ليشمل النساء والأطفال، وفرض تنفيذه على السلطات المحليّة تحت أشكال متنوّعة من القساوة والتصلّب، يدلّ على مواصلة الحكومة عمليّة القضاء على أكبر عدد ممكن من الشعب الأرمني، بوعي كامل، وبطرق مستوحاة من العصور القديمة، لا تليق بحكومة تريد التحالف مع ألمانيا. وما من شك أنّ الحكومة تريد اغتنام فرصة الحرب مع الحلف الرباعي للتخلّص من القضيّة الأرمنيّة في المستقبل، بحيث تُبقي فقط على عدد ضئيل من الجماعات الأرمنيّة المنظّمة. لقد قامت الحكومة بمجازر بحقّ الأبرياء، بالتعاون مع بعض الجناة.” (تقرير القنصل روسلر من حلب، 27 تموز 1915، رقم 120)

“إنّ أنصار التوجّه الأخير، أي التوجّه المتطرّف في لجنة الأتراك الفتيان، متفقون على أنّ الهدف النهائي من العمل الذي يقومون به ضدّ الأرمن هو القضاء الكامل عليهم في تركيا. وقد قال أحد المسؤولين: بعد الحرب، لن يكون عندنا أرمن في تركيا.” (تقرير القنصل فون شويبنر ريشتر من أرضرّوم، 28 تموز 1915، رقم 123)

– أرسل هنري وود تقريرًا مؤرّخًا في 14 آب 1915 ينقل فيه الجواب الذي أعطاه أنور باشا على المساعي التي بُذلت لصالح الأرمن الأبرياء، جاء فيه: “يصعب علينا التمييز بين الأبرياء والمذنبين من الأرمن البالغ عددهم حوالي المليونين، بنيّة الإعفاء عنهم. نحن واثقون من النيل من المذنبين عندما نقتلهم كلّهم”.

– اتّخذت حكومة الأتراك الفتيان قرارًا يقضي بجعل الشعب الأرمني في تركيا يصل إلى مستوى من الدونيّة بحيث لن يتمكن من الإفلات منها، ولو بعد خمسين سنة. يجب تأمين التفوّق المطلق للعرق التركي. إنّها إحدى قواعد النظام لدى الأتراك الفتيان. في 16 آب 1915، كتب ألمان كونيا إلى سفارتهم في القسطنطينية يقولون: “إنّ الهدف الكامن وراء جميع تلك الإجراءات، كما يبدو، هو إبادة الأرمن. تشكّل هذه المعاملة اللاإنسانيّة عارًا لا يُمحى من التاريخ”.

– بعد أن أثارت أخبار الأسلمة القسريّة سخطًا في ألمانيا، قام عدد كبير من البروتستانت النافذين، وأعضاء المؤتمر المركزي للإرساليّات الكاثوليكيّة، بتقديم مذكرة إلى السيّد بيتر هولبد، في 12 تشرين الثاني 1915، فوعدهم بالسعي كي لا يُضطهد المسيحيّون في تركيا بسبب معتقدهم. لكنّ القضاء على الأعراق غير التركيّة كان الهدف المتّفق عليه بين أنور وطلعت: أراد الأوّل تحقيقه عن طريق تشتيت المسيحيين ودمجهم مع المسلمين، والثاني عن طريق المجازر. لذلك، تمّ توزيع النساء والأولاد ما دون الثالثة عشرة سنة على العائلات التركيّة، وسيق الأرمن الباقون إلى القتل، من دون رحمة.

أثناء تلك الأحداث المصيريّة، قدّم مهندس ألماني كان يعمل في بناء سكة الحديد بين بغداد وراس العين وتلّ أبيض، وهو جدير بالثقة تمامًا، تقارير مؤثرة تبيّن كيف أنّ إبادة المرحَّلين كانت تتمّ على يد أجهزة الحكومة التركيّة، بكلّ وعي، وعن سابق تصوّر وتصميم. (تقرير القنصل رِسلر من حلب، 3 كانون الثاني 1916، رقم 226)

يتصرّف قسم كبير من لجنة الأتراك الفتيان من وجهة نظر أنّ الإمبراطورية التركيّة يجب أن تكون مبنيّة على قاعدة إسلاميّة وقوميّة تركيّة بحتة، ويجب أسلمة جميع المواطنين غير المسلمين وغير الأتراك، وضمّهم بالقوّة إلى الجنس التركي، أو إبادتهم في حال لم يكن ذلك ممكنًا. ويبدو أنّ الظروف الحاليّة مؤاتية أمام هؤلاء السّادة لتنفيذ مخططهم هذا. وتقضي المرحلة الأولى بتصفية الأرمن. (تقرير القنصل فون شويبنر من مونيخ، 4 كانون الأوّل 1916، رقم 300)

– لم تأتِ تقارير السفراء أقلّ جزمًا من تقارير القناصل. فمنذ السابع من حزيران 1915، كتب السفير ڤانغنهايم إلى المستشار الألماني فون بتمان هولفيغ يقول: “في الواقع، إنّ حكومة الأتراك الفتيان تهدف إلى إبادة الجنس الأرمني من الإمبراطوريّة التركيّة”. وكان السفير نفسه سبق وأيّد إجراءات الترحيل أمام المستشار، في 31 أيار. وفي 17 حزيران 1915، يعاود السفير تأكيد ما جاء سابقًا، ويقول للمستشار: “من الواضح أنّ ترحيل الأرمن ليس بدافع الاعتبارات العسكريّة فقط. إنّ وزير الداخليّة، طلعت بك، صرّح مؤخرًا وبكلّ صراحة، أمام الدكتور مورتمان، الواضع نفسه الآن بخدمة السفارة الإمبراطوريّة، بأنّ الباب العالي يريد اغتنام فرصة الحرب العالميّة للتخلّص، بشكل نهائي وجذري، من أعداء الداخل (المسيحيين من أهل البلاد) من دون تدخل ديبلوماسيّ خارجي معرقل.” (الرقم 81)

– وفي 17 تموز، في تقريره عن توسيع عمليّات الترحيل لتشمل الولايات غير المهدّدة من زحف العدو، يقول البارون ڤانغنهايم ما يلي: “إنّ الظرف الحالي، بالإضافة إلى الطريقة التي يجري فيها الترحيل تدلّ على أنّ الحكومة تسعى بالفعل للوصول إلى هدف إبادة الجنس الأرمني من الإمبراطوريّة العثمانيّة”. (الرقم 106)

– جاء في برقيّة الأمير هوهنلوهي [سفير ألمانيا في القسطنطينية] إلى قنصل ألمانيا في حلب، في 2 آب 1915، ما يلي: “لم تتمكن جميع الهيئات الممثلة لنا من فعل أي شيء أمام تصميم الحكومة للتخلّص من المسيحيين من أهل البلاد في الولايات الشرقيّة.” (الرقم 127)

– يصف الكونت وولف ميتيرنيخ [سفير ألمانيا في القسطنطينيّة 1915-1916] في تقريره إلى مستشار الإمبراطوريّة، الصادر في 30 حزيران 1916، الضغوط التي يمارسها الأتراك الفتيان على الحكومة المنبثقة عنهم، ويظهر درجة الودّ التي يكنّها هذا الدبلوماسي الألماني تجاه حلفائه الأتراك الفتيان، ويقول:

“تُصرّ اللجنة على التخلّص من الأرمن الباقين، وعلى الحكومة الرضوخ. لكنّ الحكومة ليست وحدها الممثلة للجنة في العاصمة. فعند جميع السلطات، من الوالي إلى القائمقام، يوجد عضو من اللجنة لمراقبتهم وتوجيههم. استأنفت عمليّات ترحيل الأرمن في كلّ مكان. لكنّ الذئاب الجائعة في اللجنة لا يتوقّعون الحصول على شيءٍ من هؤلاء البؤساء، سوى أنّهم يقومون بإشباع غضبهم عن طريق الاضطهاد المتعصّب. صودرت الأملاك منذ زمن بعيد، وصُفّيت الممتلكات بواسطة ما يُسمّى لجنة الممتلكات المتروكة. على سبيل المثال: إذا كان أرمنيّ يملك بيتًا بقيمة مئة ليرة تركيّة، يُعطى إلى أحد الأتراك يكون عضوًا في اللجنة أو صديقًا لأحد الأعضاء، بليرتين تركيتين. لم يبق شيء للبحث عنه عند الأرمن. لذلك، ينتظر القطيع، بفارغ الصبر، الوقت الذي تُعلن فيه اليونان عن نفسها ضدّ تركيا وحلفائها، بضغط من التحالف، كي تبدأ مجازر جديدة على نطاق أوسع من مجازر الأرمن. فالضحايا أكثر، والغنائم أكثر إغراءً. الهيلينية هي المكوّن الثقافي لتركيا. سوف يتمّ القضاء عليه مثل المكوّن الأرمني في حال لم تعترض المؤثّرات الخارجيّة. التتريك يعني الطرد أو القتل، وإبادة كلّ ما هو ليس تركي، والاستيلاء على أملاك الغير بالقوّة. في هذا الأمر، وفي تكرار عبارات الثورة الفرنسيّة بصوت زاعق، تقوم اليوم نهضة تركيا الشهيرة.” (رقم 282)

– وفي النهاية، نورد برقيّة الكونت وولف ميتيرنيخ نفسه إلى المستشار الألماني بتمان هولفيغ، بتاريخ 10 تموز 1916، وجاء فيها:

“لم تتوقّف الحكومة التركيّة عن تنفيذ مخططها لحلّ القضيّة الأرمنيّة عن طريق إبادة الجنس الأرمني، ولم تثنها عنه الهيئات الممثلة لنا، ولا السفارة الأميركيّة، ولا ممثل البابا، ولا تهديدات التحالف، ولا طبعًا أمر مراعاة الرأي العام في الغرب.” (رقم 287)

وباختصار، إنّ المراسلات الدبلوماسيّة الألمانيّة تثبت، بشكل قاطع، أنّ المجازر بحقّ الأرمن تمّت بناءً على أوامر صادرة عن حكومة الأتراك الفتيان التي أرادت اغتنام فرصة الحرب الكبرى للتخلّص من المسألة الأرمنيّة، للمرّة الأخيرة. ما من شكّ أنّ العوامّ، أثناء تنفيذ هذا التدبير الصادر عن الإدارة التركيّة، قد أظهروا كلّ تعصّب وقسوة، وأفلتوا العنان لغرائزهم الجشعة، بطريقة رهيبة وبشعة. لكنّ المبادرة في المجازر لم تنجم أبدًا عن انفجار الغضب الشعبي إزاء خيانة الأرمن المزعومة، كما حاول الأتراك الفتيان تسويقه. لقد قامت الصحافة في دول التحالف، وفي الدول المحايدة، بتفنيد روايات الأتراك الخياليّة وأكاذيبهم، وجاءت عمليّة نشر المراسلات الدبلوماسيّة الألمانيّة لتسدّد رصاصة الرحمة عليها. من المستحيل الطعن بقيمة الشهادات الصادرة عن موظفي ألمانيا، حليفة تركيا، المسؤولين عن إعلام حكومتهم، بشكل يوميّ وبالتفصيل، عن الأوضاع الداخليّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة التي لها تأثير كبير على مجرى الحرب الكبرى.

ولا يمكننا إقفال هذا الفصل عن مسؤولية الأتراك الفتيان بشكل أفضل سوى بالعودة إلى تصريح الصدر الأعظم داماد باشا [داماد هو لقب كان يُمنح لمن يُصاهر السلطان، والمعني هنا هو الداماد محمد عادل فريد باشا] أمام المجلس الأعلى، في 17 حزيران 1919، حيث تقرّ الحكومة التي أتت بعد حكومة الأتراك الفتيان بمسؤوليّة هذه الأخيرة عن الجرائم المرتكبة، ويقول:

“أثناء الحرب، اهتزّت مشاعر معظم الدول المتحضرة عند سماعها أخبار المجازر المزعومة التي تمّت على يد الأتراك. لا أبغي هنا تحريف تلك الجرائم البشعة التي ما زال يرتعش أمامها الضمير الإنساني، ولا أبغي التقليل من ذنب الذين قاموا بتلك المأساة الكبيرة. أبغي فقط أن أبيّن للعالم من هم المرتكبون الحقيقيّون المسؤولون عن تلك الجرائم الفظيعة، مؤيّدًا أقوالي بالأدلّة.”

Share This