
كلمة المطران أسقف الاسكندرية واورشليم والاردن للأرمن الكاثوليك، في الذكرى الـ104 للإبادة الارمنية القاهرة
أزتاك العربي- ألقى المطران كريكور اوغسطينوس كوسا، اسقف الاسكندرية واورشليم والاردن للأرمن الكاثوليك، كلمة في يوم إحياء الذكرى الرابعة بعد المائة للإبادة الارمنية، في كنيسة القدّيسة تريزا الطفل يسوع ، بمصر الجديدة، القاهرة. وإاليكم نص الكلمة:
“نحتفل اليوم، أرمن مصر مع الشعب الأرمني في الوطن الأُم ، ومع الارمن المنتشرين في العالم ، ومع الدول التي اعترفت بالمجازر الارمنية، باليوم الوطني الأرمنيّ لإحياء ذكرى الإبادة الجماعية الأرمنية التي ارتكبتها الامبراطورية العثمانية قبل مائة وأربع سنوات.
مع سفر المزامير نقول : لأنّكَ لن تَترُك في مثوى الأمواتِ نفسي، ولن تَدعَ صفيَّكَ يَرى الهُوَّة . ستُبَيِّنُ لي سبيلَ الحياة. أمامَ وجهِكَ فرحٌ تام ، وعن يَمينكَ نَعيمٌ على الدوام. ( مزمور ١٦[١٥]: ٩-١١). يا ربُّ ، لِلعَدْلِ استَمِعْ ولِصُراخي أنصِتْ ، وإلى صلاتي أَصْغِ فلا غِشَّ في شَفَتيَّ . ليَصُرَ قضائي من لَدُنْكَ، فترى الاستقامةَ عَيناكَ. ( مزمور ١٧[١٦]: ١-٢ ) .
قال الكاتب الارمني الشهير وليام سارويان موجهاً كلامه إلى المجريمين العثمانيين الأتراك : ” اردتم إزالتنا من الوجود وخطّطتم و نفذّتم حسدكم وحقدكم بالقتل و ساد الحزن والسواد في كل ركن من أركان أرضنا، لكنكم نسيتم أن تقتلوا الروح والنضال فينا، ها نحن نهضنا من جديد لنظهر للعالم عكس ما أردتم . ” اقتلوا اذبحوا احرقوا دمّروا كل شي، ولكن كونوا على يقين، إذا اجتمع أرمنيان اثنان فقط ، فهما قادرين على بناء أرمينيا جديدة ” .
أيُّها الأحباء : تعلمّنا و نُعلّم وسنستمر نُعلّم اولادنا وأحفادنا أن يرفعوا الصلاة والبخور يوم ٢٤ أبريل / نيسان من كل عام، ويضعوا زهرةً على أضرحة شهدائنا المنتشرة في كل دول العالم ، وشمعةً مُضاءة أمام كل نصب تذكاري شُيد في أديرتنا و كنائسنا ومدارسنا وساحات مدننا تخليداً لأرواحهم الذكية . نصرّ وسنبقى مصرين على إحياء هذه الذكرى الغالية على قلوبِنا، ونحنُ نتذكّر ونطالب ، نعمل ونناضل بإستمرار وبدون تعب ولا كلل . ندق أجراس الكنائس، ونرفع الصلوات والترانيم النابعة من قلوبنا نكّرم بها أرواح المليون ونصف المليون شهيد ونطلب شفاعتهم . نضعُ وردةً، لماذا هذه الوردة ؟ هذه الوردة الحمراء أو الزهرة البيضاء لها معنى و رمزية خاصة عندنا نحن الأرمن، الوردةُ الحمراء تذكرنا بدماء الرجال والنساء ، الشيوخ والشباب والأطفال الذين ذبحوا في صحراء دير الزور السورية ، وسالت وامتزجت دماءهم الزكية بمياه نهر الفرات ، فأصبحت مياه النهر حمراء اللون تقصُ علينا قصة العذاب والالآم التي تحملوها بإيمانٍ ومحبةٍ وصبرٍ من أجل الحفاظ على ديانتهم المسيحية هويتهم ووطنهم ولغتهم وثقافتهم وتراثهم . نضع زهرةً بيضاء لأننا عندما ننحني لنكرّم الشُهداء نشعر بشعور غير طبيعي أننا نرى بأُمّ أعيننا جبل أرارات المُقدّس شامخاً جبّاراً ، تعلوه الثلوج الناصعة البياض ، رمزاً للبراءة والطهارة والنقاوة والفضائل التي كان يتحلى بها اجدادنا، ويُعطينا قوةً وحيويةً وطاقة هائلة للإستمرار بالنضال لمئات السنين القادمة حتى نُعيد حقوقنا المغتصبة. الوردةُ تفتحّت وأعطت رائحة ذكية ، وهذه الوردة ، هي رمز لشعبنا الأرمنيّ الذي ذبحَ ومات، ولكنه كالسيد المسيح قام من بين الأموات منتصراً على الموت والبغض والحقد.
نتذكّر ونطالب ونناضل ، ونضالنا ليس الإنتقام فقط لمدبري الإبادة الأرمنية في الفترة التي تلت المجازر ، بل نستمر بالنضال في سبيل تحقيق الحق والعدالة بكل الطرق السلمية و القانونية . ولكن ، ومع الأسف الشديد ، المجرم بالأمس هو هو اليوم ، مازال يقتل ويضرب ويزوّر الوثائق التاريخية ، ويصرّ بكُلِّ عناد على نكران الجريمة ويُظهرُ للعالم أنه مُحبٌ للسلام وبريٌ من هذه الإبادة الفحشاء . المحرقة الأرمنية أو الجريمة الكبرى بحق الشعب الأرمنيّ ، تشير إلى القتل المتعمد والمنهجي للسكان الأرمن من قبل الامبراطورية العثمانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى،…. وقد تم تنفيذ ذلك من خلال المجازر وعمليات الترحيل ، والترحيل القسري وهي عبارة عن مسيرات في ظل ظروف قاسية مصممة لتؤدي إلى وفاة المبعدين. تُقدّر اعداد الضحايا الأرمن مليون و نصف المليون نسمة ، إلى جانب مجموعات عرقية مسيحية أخرى تم مهاجمتها وقتلها من قبل الإمبراطورية العثمانية خلال هذه الفترة كالسريان والكلدان والآشوريين واليونانيين وغيرهم. يرى عدد من الباحثين ان هذه الاحداث، تعتبر جزء من نفس سياسية الإبادة التي انتهجتها الإمبراطورية العثمانية ضد الطوائف المسيحية الأخرى . يوم ٢٤ ابريل / نيسان معترف به على نطاق واسع ، فيه تم اعتقال أكثر من ٢٥٠ من أعيان الأرمن في إسطنبول ، وبعد ذلك، طرد الجيش العثماني الأرمن من ديارهم ، وأجبرهم على المسير لمئات الأميال إلى صحراء دير الزور السورية، وتم حرمانهم من الغذاء والماء . المجازر كانت عشوائية وتم مقتل العديد من الأبرياء بغض النظر عن العمر أو الجنس ، وتم اغتصاب على العديد من الآنسات والنساء . في السنوات الأخيرة وجهّت الأُمَم المتحدة دعوات متكررة للجمهورية التركيا ، التي خلفت الإمبراطورية العثمانية للإعتراف بالأحداث الدامية بأنها مجازر وإبادة جماعية ، ولكن إلى الآن ، ومع الأسف الشديد، تركيا تنفي وقوع هذه المجازر التي يؤكدها معظم علماء الإبادة الجماعية والمؤرخون وأكثر من ٢٨ دولة مع الأمم المتحدة ، واعترفوا رسمياً ويؤكدون بأنها إبادة شعب كامل ، مخطط لها مسبقاً ومنفذة بدقة.
وقد تم توثيق الإبادة الجماعية الأرمنية من قبل تقارير شهود عيان وبموجب قوانين وقرارات من العديد من الدول والمنظمات الدولية ، كمجلس أوروبا، البرلمان الأوروبي، وعدد من لجان الأمم المتحدة ، ومجلس الكنائس العالمي، وبرلمان “ماركوسور” وغيرها من المنظمات الدولية الكبيرة اعترفت بالإبادة الجماعية الأرمينة. كما اعترفت العديد من الدول بالإبادة الجماعية الأرمنية، أوروغواي هي أول دولة اعترفت بالإبادة الجماعية الأرمنية في عام ١٩٥٥. وقد أدانت الدول التالية واعترفت بمذبحة الأرمن باعتبارها إبادة جماعية على أساس القانون الدولي : فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا وسويسرا والسويد، روسيا، بولندا، ليتوانيا، اليونان، سلوفاكيا، قبرص، لبنان، الأوروغواي، الأرجنتين، فنزويلا، الباراغواي، تشيلي، بوليفيا، كندا، الفاتيكان، أوستريا، الدانمارك، البرازيل، إيطاليا، ولاية نيو ساوث ويلز الأسترالية و٤٩ ولاية أمريكية .
واليوم ٢٤ أبريل / نيسان اعترفت البرتغال بالإبادة الأرمنية تضامناً مع الشعب الأرمنيّ الذي يحتفل في كل الكنائس والأندية الثقافية بذكرى شهدائه الأبطال ، شهداء الإيمان والوطن.
نُخلّد ذكرى شهداء ٢٤ أبريل / نيسان ، وذكرى شهداء سيناء الذين حرروها من أيدي الأعداء والمحتلين، ونطالب العالم أن يَرفَعَ الصوت معنا لتقف كل الإبادات الجماعية التي تحصل في هذه الأيام ولكي نصل كُلنا معاً إلى مستقبل أفضل وغد خال من المجازر والابادات والحروب، ونعيش بأمان وسلام. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار”.
