
مذكرات المطران جان نزليان.. شهادة المطران أندريه أحمرانيان
أزتاك العربي- مذكرات مطران الأرمن جان نازليان، أسقف طرابزون، عن الأحداث السياسيّة والدينيّة في الشرق الأدنى، من العام 1914 حتّى العام 1928 (5)
هــ – شهادة المطران أندريه أحمرانيان (ص 316-344)
تألّفت بعثة من المطران بيار كويونيان، رئيس أساقفة خلقيدونيا شرفًا، والمشرف على الكهنة الأرمن في روما، وأمين سرّه، والأب اندريه أحمرانيان، والتقت العديد من الناجين، معترفون حقيقيّون للإيمان، ومعظمهم يجرّون أجسادهم المشوّهة بفرح، ونساء ينقصهنّ كلّ شيء، وأطفال فقدوا حتّى أرجلهم وأيديهم، ورجال من كلّ الأعمار قُطعت أنوفهم وآذانهم. وبناءً على طلبنا، أرسل لنا الخورأسقف أحمرانيان تقريرًا موثوقًا عن الأحداث وعن الأوضاع في الأبرشيّة التي أوكل إليه أمر خدمة المؤمنين فيها لمدّة عشر سنوات بعد الهدنة… يقول فيه:
“في كلّ مرّة أتذكّر فيها الأحداث الأليمة التي جرت في أبرشيتنا الأرمنيّة الكاثوليكيّة إبّان العام 1915، حين هُرق الدم، وارتُكبت المجازر الوحشيّة التي لم يسبق لها مثيل، ومن بعدها التدمير والتخريب، ينفطر قلبي من الحزن، وتنهمر دموعي. أحزن على مصير تلك الأبرشيّة التي كانت من أفضل الأبرشيّات الأرمنيّة الكاثوليكيّة الأخرى، وشعلة مشرقة من الإيمان والحياة المسيحيّة، بما يتمتّع به المؤمنون من إيمان حيّ، والتزام بالكنيسة الكاثوليكيّة، وتميّز بممارسة شعائرهم الدينيّة، استنادًا إلى التقليد، فضلاً عن ولائهم لسلطات الإمبراطوريّة العثمانيّة ومؤسّساتها.
في البدء، لم أصدّق ما سمعته عن تلك المآسي، وهذه الفظائع التي لم يسبق لها مثيل، إلى حين سنحت لي الفرصة للتحقّق منها شخصيًّا، وذلك بعد عودتي إلى مسقط رأسي، في 12 تشرين الأوّل 1919، برفقة الزائر الرسولي، المطران بيار كويونيان، الآتي من روما إلى ماردين، عن طريق استنبول، للقيام بجولة تفقدية، ومحاولة بناء ما تهدّم. أثناء مكوثي في ماردين لمدّة عشر سنوات، في هذه المدينة التعيسة، حيث كرّستُ نفسي لخدمة المؤمنين الكاثوليك الروحيّة، قمتُ بتجميع الأخبار عن تلك الأحداث المؤسفة، والاستعلام عن مصير كلّ عائلة، وتدوين الروايات الأكثر مصداقيّة، من لسان الشهود العيان الذين لم يعد لديهم أيّ سبب وتردّد لوصف وقائع تلك المضايقات والاضطهادات والجرائم التي ارتكبها أعداء الاسم المسيحي ضدّ العديد من الرجال والنساء والشباب والصبايا والشيوخ والأطفال، بمن فيهم حديثي الولادة، من دون أي رحمة ولا شفقة.”
يُضيف الأباتي أحمرانيان بعض التفاصيل المثيرة للاهتمام عن الاعتقالات التي حصلت في 3 و 10 حزيران، ويقول:
“… في 3 حزيران، اعتقل الجنود المطران مالويان وقادوه إلى سراي الحكومة حيث جرى نقاش بينه وبين المتصرّف، أجاب فيه المطران عن كلّ سؤال وُجّه إليه، بحزم وشجاعة. ومع ذلك، لم يقتنع الضبّاط، فمدّدوه على الأرض، وقام أحدهم بضربه بطريقة وحشيّة.
قال له الأسقف: “لا يحقّ لك القيام بضرب شخص عيّنته الحكومة رئيسًا دينيًّا، ومنحته وسام شرف، والفرمان الشاهاني.”
أجابه الحاكم بأنّ السيف اليوم يتكلّم مكان الدولة، ولا فائدة بعد من الوسام والفرمان. وقال ضابط آخر: “أنصحك بقبول الديانة الإسلاميّة”. حينها غضب الأسقف وأجاب بصوت عال: “لا، لا، لن أنكر أبدًا مخلّصي يسوع المسيح، وأنا على استعداد لهدر دمي من أجل إيماني، وهذا أطيب شيء على قلبي. أضربوني، واقطعوني إربًا إربًا، لن أنكر إيماني المسيحي.”
أثارت كلمات الأسقف الشجاعة غضب الحاضرين وحقدهم، فصفعه أحدهم وقال له: “أهكذا تحتقر ديننا… وفي سراي الحكومة؟ أقسم أنّني سأقوم بتعذيبك من كلّ قواي.”
وأثناء الليل، مدّدوه على الأرض، وربطوا قدميه، وضربوه على رجليه بالكرباج اثني عشرة ضربة. وعند كلّ ضربة كان يصيح: “يا ربّي وإلهي ارحمني”. ثمّ جرّوه من قدميه، وأُصيبت أطرافه برضوض، فصرخ قائلاً: “إذا سمعني أحد الكهنة فليعطني الحلّة الأخيرة”. وكان الأب بولس كاسباريان هو مَن حقّق رغبته تلك.
لم يكتفِ الأعداء بهذه العذابات، بل جلفوا أظافر قدميه. استمرّ عذابه حتّى التاسع من حزيران حين سُمح لأمّه بزيارته، فطلب منها حذاءً عريضًا من دون أن يذكر لها ما تحمّل من عذابات كي لا يُحزنها.
وفي العاشر من حزيران، سيق المطران إلى خارج المدينة مع الإكليرُس التابعين له والأعيان في أبرشيته، في قافلة ضمّت 417 شخصًا. تعرّضوا كلّهم للتعذيب، والأسقف آخرهم. خاطب الضابط المسؤول وقال له: “أنا متأكد الآن بأنّ معاونيك قاموا بضرب أولادي، وعذّبوهم حتّى لفظوا أنفاسهم الأخيرة، ولا أشكّ لحظة بأنّي سألاقي المصير نفسه. دعني الآن أُسمع الباقين كلمتي الأخيرة.” ركع الأسقف، وتبعه الآخَرون، وطلب العون من الربّ. أخذ قطعًا من الخبز وقدّسها وأعطاها لهم. في ذلك الوقت، ظهرت سحابة منوّرة غطّت السرّ المهيب فيما كان الأسقف يعطي المناولة إلى الشهداء. لاحقًا، قال بعض الشهود العيان الأتراك بأنّهم شمّوا روائح طيّبة، ورأوا الفرح باديًا على وجوه المتناولين.
وأخيرًا، توجّه الأسقف إلى ممدوح وقال له: “لقد قمتّ بالواجب الأخير، افعل الآن ما تريد”. حينها سيقت القافلة إلى قلعة زرزوان حيث استُشهدوا كلّهم، وبقي الأسقف وممدوح لوحدهم. فكرّر ممدوح أسئلته على الأسقف الذي أجاب: “أرى أنّك تجاهلتَ كلّ ما قلته لك، بأنّ الاتهامات الموجّهة إليّ لا أساس لها. اقتلني الآن ودعني أذهب لملاقاة زملائي.” فتناول ممدوح مسدسه، وأطلق رصاصة على رأس الأسقف الذي سقط شهيدًا للإيمان المسيحي.”
أولاً: نعوة الإكليرُس الأرمني الكاثوليكي
نعرض فيما يلي الأسماء والأماكن كما جاءت في لائحة الخوراسقف أحمرانيان.
– المطران اغناطيوس مالويان. وُلد في ماردين، في 8 نيسان 1869. دخل إكليريكيّة بزمّار البطريركيّة العام 1883 حيث رُسم كاهنًا العام 1896. عُيّن نائبًا بطريركيًّا على الاسكندريّة، ثمّ رُقّي إلى درجة الأسقفيّة وعُيّن أسقفًا على ماردين العام 1911. في هذه المناسبة، وأثناء مروره بدير بزمّار، قال بضع كلمات تعكس روح التواضع عنده، والمشاعر التي تليق حقًّا بشهيد المستقبل: “لم أقم بشيء يستحقّ الذكر أو الثناء أثناء حياتي الكهنوتيّة. والآن، بعد أن صرت أسقفًا، وطُلب منّي العودة إلى مسقط رأسي ماردين، أنا ذاهب إلى هناك بناءً على أمر تلقّيته من غبطة البطريرك، كفّارة عن خطاياي، ولإعادة السلام والوئام في قلوب المؤمنين… إنّها حلقة من حياتي البائسة. أمّا بالنسبة إلى ماضيّ غير المهمّ، فهو معروف من قبل الجميع في الدير.”
وصل مالويان إلى ماردين في أواخر العام 1912، متحلّيًا بروح الخدمة الرعويّة، والإرادة في التكفير عن خطاياه، لتحقيق التقدّم الثقافي والديني في أبرشيّته. تفانى في الوعظ والإرشاد، بشكل خاصّ، ونظّم رياضات سنويّة لجميع فئات المؤمنين، حرص على أن يكون فيها هو الواعظ. ومع بدء الحرب العالميّة، شعر بأنّ الاستشهاد ينتظره، كما أشرنا إليه سابقًا، فأقدم عليه، وهو الراعي الجدير المقدام، وكان ذلك في 11 حزيران 1915، عيد قلب يسوع الأقدس.
يوجد في أبرشيته وتحت عنايته تسعة عشر كاهنًا، موزَّعين في ماردين وملحقاتها على الشكل التالي:
– في كاتدرائيّة القديس جرجس: جان بوطوريان. وُلد في ماردين العام 1835، ورُسم كاهنًا فيها العام 1865. إنّه الأكبر سنًّا بين إكليرُس الأبرشيّة. سُجن في غرفة مربّعة ضيّقة لا يتعدّى ضلعها خمسة أشبار [حوالي المتر الواحد] حتّى الخامس عشر من تموز، ثمّ سيق مع إخوانه في القافلة الأولى [من النساء] وقُتل معهم.
– إسطفان حولوزو. وُلد العام 1845. درس في إكليريكيّة بزمّار البطريركيّة، ورُسم كاهنًا في ماردين، في 20 آب 1870. بعد إلقاء القبض عليه، مُدّد هذا الكاهن الطاعن في السنّ، خادم كنيسة القدّيس يوسف، على الأرض، وضُرب بطريقة وحشيّة ليعترف بأنّه أخبأ عنده أسلحة، ما لم يقم به أبدًا.
– يعقوب فرجو. مساعد الأب حولوزو السابق ذكره. وُلد العام 1850 في تلّ أرمن، ورُسم كاهنًا في ماردين العام 1871. أُدخل السجن مع رفيقه، وتعرّض للضرب بالسياط، وتلقّى جميع أشكال الإهانات.
بعد رحيل الكاهنين، تعرّضت كنيسة القدّيس يوسف للتخريب، ونُهبت محتوياتها القيّمة والثمينة. وبعد ذلك، جرى تدمير قبور رؤساء الأساقفة في كاتدرائيّة القدّيس جرجس، ومن ثمّ تمزيق اللوحات المقدّسة المرسومة على القماش، والاستيلاء على الأواني المقدّسة.
سيق الكاهنين مع المرحَّلين في القافلة الثالثة. وحين وصولهم إلى الباب الشرقي في المدينة، تمّ القضاء عليهم كلّهم، وكان ذلك في 2 تموز 1915.
– اندريه بدروسيان. وُلد في ماردين العام 1844، ورُسم كاهنًا في المدينة نفسها، في 30 آب 1871. كان خوري رعيّة دَيركه، وقُتل فيها.
– أتناس بطانيان. وُلد في 4 آذار 1862، ورُسم كاهنًا في ماردين في 25 آذار 1884. قُتل في القافلة الأولى.
– انطوان أحمرانيان. وُلد في 20 أيلول العام 1862، ورُسم كاهنًا في ماردين، في 21 تشرين الأوّل 1888. أُلقي القبض عليه في تلّ أرمن حيث كان كاهنًا للرعيّة فيها، واقتيد إلى ماردين بطريقة بشعة، حيث أُجبر على الركوع وسط ساحة البلدة العامّة، والسير على هذه الحال، واضعًا منديل عمامته الشرقيّة في فمه. تبعه موكب من الفضوليّين يسخرون منه ويشتمونه، إلى أن وصل إلى الحبس حيث ضُمّ إلى رفاقه فيه. ثمّ سيق مع الكهنة الآخرين والأعيان إلى موقع الشهادة، في 10 حزيران 1915.
– إسحق حولوزو. وُلد في ماردين العام 1877، ورُسم كاهنًا في 27 كانون الثاني 1895. أُلقي القبض عليه في ڤيرانشهر حيث كان كاهنًا للرعيّة، في الثالث من حزيران، واقتيد إلى ديار بكر حيث سُجن وتعرّض للمعاملة السيّئة المعروفة. وبعد خمسة عشر يومًا، سيق إلى تلّة بالقرب من المدينة، وقُتل هناك.
– ليڤون نزاريان. وُلد في 18 نيسان العام 1866، ورُسم كاهنًا في ماردين، في 19 كانون الثاني 1892. أُلقي القبض عليه في ديار بكر حيث كان يقوم بتصريف بعض الأعمال، وقُتل في منتصف الطريق.
– ميناس ناعمه. وُلد في 2 حزيران 1874، ورُسم كاهنًا في ماردين، في الأوّل من كانون الثاني العام 1903. أُلقي القبض عليه في تلّ أرمن، ليس بالتزامن مع رفيقه أحمرانيان، وسيق إلى قرية دارَه حيث قُتل في 26 تموز العام 1915.
– يوحنا كاليونجي. وُلد في الأوّل من كانون الثاني العام 1878، ورُسم كاهنًا في ماردين، في 19 كانون الثاني 1898. تمّ ترحيله إلى قرية دارَه، وقُتل فيها، بعد أن جُلفت أظافر قدميه.
– نرسيس جِرّو [تْشيرو]. وُلد في 15 آب، ورُسم كاهنًا في ماردين، في 18 أيار العام 1904. قُتل في سْعرت.
– بول كاسباريان. راهب مخيتاري من ڤينيتسيا. وُلد في ماردين العام 1880، ورُسم في دير القدّيس لعازر في ڤينيتسيا، العام 1906. كان أمين سرّ المطران مالويان، وقُتل معه في القافلة نفسها، في 11 حزيران 1915.
– اغناطيوس شادي [شاديان]. وُلد في ماردين العام 1889. درس في إكليريكيّة القدّيس لويس في القسطنطينيّة. رُسم كاهنًا في ماردين لتجنيبه الالتحاق بالخدمة العسكريّة، وذلك بضعة أسابيع قبل إلقاء القبض على رئيس الأساقفة. تمّ ترحيله، وقُتل في قرية دارَه.
– أوغسطينُس بغداساريان. وُلد العام 1887، ورُسم كاهنًا في ماردين العام 1911.
– ڤارتان صباغيان. وُلد العام 1888، ورُسم كاهنًا العام 1911، وقُتل في إحدى قوافل المرحَّلين.
– جبرائيل كتمرجي. وُلد في 13 أيار العام 1888. درس في إكليريكيّة القدّيس لويس في القسطنطينيّة. نتفوا لحيته، وعذّبوه بقسوة، وجلفوا أظفاره، وساقوه سيرًا على الأقدام، وهو في تلك الحالة، للالتحاق بقافلة المرحَّلين الأولى وقُتل معهم. وفيما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، ابتلع ذخيرة عود الصليب كي يجنّبها التدنيس.
– بولس شاديان. كاهن رعيّة دارَه. وُلد في ماردين العام 1880، ورُسم كاهنًا العام 1909.
عُرض الجحود على جميع هؤلاء الكهنة، فجابهوا العرض بالرفض القاطع معبّرين عنه بصوت صارخ، لذلك تعرّضوا إلى شتّى أنواع العذابات، ثمّ تمّ قتلهم. وما زالت صهاريج القلاع التاريخيّة في زرزوان وأخرس ودارَه تحتفظ ببقاياهم المجيدة.
ثانيًا: نعوة بعض أعيان ماردين
يُضيف الخوراسقف أحمرانيان لائحة ثانية على اللائحة السابقة من الكهنة المقتولين، مؤلّفة من أعيان الأرمن الكاثوليك في ماردين الذين تميّزوا بموقفهم الشجاع، موقف المسيحيين الحقيقيين أمام الموت قتلاً الذي تعرّضوا له بظروف مروّعة.
سارع الذين وضعوا مخطّط القضاء على الجنس الأرمني إلى التخلّص أوّلاً من المثقفين الذين كانوا، بنظرهم، موضع شبهة، ومتّهمين بالخيانة أو العصيان، كما كانوا يفعلون في المدن الواقعة في ولايات الإمبراطوريّة الأخرى. وفي ماردين، حيث الأرمن كلّهم من الطائفة الأرمنيّة الكاثوليكيّة، وهم لا يشكّلون الخطر المزعوم، تعرّضوا للأعيان الأرمن الأكثر وجاهة، وبعد إلقاء القبض عليهم، زُجّوا في الحبس، وخضعوا لأبشع أنواع التعذيب المعيّن من اللجنة المكلّفة تنفيذ مخطّط الترحيل والمجازر. تَميّز هؤلاء الكاثوليك، كما باقي المؤمنين، بالمحافظة على إيمان الأجداد، وبالشجاعة المسيحيّة التي مكنتهم من الاقبال على الموت، ورفض الجحود كشرط لخلاص أنفسهم. ننقل، فيما يلي، بعض الأسماء والمعلومات التي أوردها الخوراسقف أحمرانيان:
– نعوم جينانجي. أثناء وجوده في الحبس، عقلوا قدميه بالعقلة، وضربوه 82 ضربة، ثمّ أجبروه على المشي وهو في هذه الحالة، والتوجّه إلى سطح السجن حيث دفعوه إلى أسفل، فتحطمت أعضاؤه، وسارع رفاقه إلى حمله وتشجيعه على التحلّي بالصبر، إلى حين تمّ ترحيله وقتله.
– أنطون كاسبو. تلقّى أكثر من 40 ضربة فَلَق على رجليه، وضُرب على رأسه، ثمّ اقتيد إلى مكان عال، ودُفع إلى أسفل كما حصل مع رفيقه السابق ذكره. وفي اليوم التالي، أُجبر على المكوث سبع ساعات في بيت الخلاء. ثمّ دأب أحد المجرمين على ضربه من جديد حتّى أُغمي على أنطون المسكين نتيجة هذا الضرب. تمّ ترحيله وقتله.
– عبد الكريم باطري. عقلوا قدميه، وضربوه 150 ضربة صار المسجونون يعدّونها واحدة تلوى الأخرى، وقلبهم ينفطر حزنًا على هذه المشاهد. مثله مثل الآخرين، دفعه الجزّارون إلى أسفل، وأجبروه على اللحاق برفاقه في القوافل.
– مال الله. هو شقيق المطران مالويان. تناوب الأعداء على ضربه بالعصي والسياط إلى أن أُنهكت قواه. وعلى غرار ما حصل مع رفاقه، جرّوه إلى مكان عال، ودفعوه إلى أسفل، فوصل إلى الأرض مكسور الظهر والأطراف، ولاقى مصيره بين قوافل الترحيل، وهو على هذه الحالة.
– اسكندر آدم. علّق الأعداء حبلاً ضخمًا في سقف غرفة التعذيب، وربطوا رأسه فيه، وتركوه على هذه الحالة لساعات طوال، تحت خطر الموت في مكانه، وأتى ممدوح بك، الجلاّد القاسي القلب، للطمه وتعذيبه. ثمّ اقتادوه وضمّوه إلى رفاقه استعدادًا للرحيل نحو ساحة الموت.
– سعيد ابن الوزير. صبّوا عليه البترول وأحرقوه حيًّا.
– أوهانّس ساعور. هو قندلفت كاتدرائيّة القدّيس جريس. صبّ الجلاّدون غضبهم عليه بشكل خاصّ لإجباره على الاعتراف عن مخبأ الأسلحة في الكنيسة. ثمّ وضعوا أجراسًا صغيرة في عنقه، وأجبروه على المشي وهو على هذه الحال، كي يسخروا منه. وأخيرًا، ضمّوه إلى القافلة الثانية، وقتلوه مع رفاقه في 15 حزيران.
– داود حنا سوسي جينانجي. كان شابًّا. حرق الأعداء جسده بواسطة قضبان من الحديد المحمّرة على النار، وتعرّض للضرب المبرّح، فسقط نتيجة تلك العذابات، في 6 حزيران، وجُرَّت رفاته في الطرقات. بعد أن أُخبر أهله بهذا المشهد المأساوي سارعوا إلى دفنه، والدموع تنهمر على جثمانه.
– سعيد بطاني. هو مختار الأرمن الكاثوليك في ماردين والمكلَّف من الحكومة، في الوقت نفسه، بجمع الضرائب والرسوم. أُوقف في 11 حزيران، واقتيد إلى السجن حيث تعرّض للضرب المبرح، فغطّت الكدمات جسمه. ثمّ أُحرق جسده بواسطة قضبان من الحديد المحمّرة على النار. ضُرب بالسوط أكثر من ثلاثة آلاف ضربة كان المسجونون يعدّونها الواحدة تلو الأخرى. أخيرًا، اقتيد إلى كهف يقع في جوار المدينة، وقُتل هناك.
– سعيد حَيلو. تلقّى أكثر من 550 ضربة بواسطة قضبان الرمان. دُفع من مكان عال إلى أسفل، ثمّ قُتل مع رفاقه السابق ذكرهم.
– جرجس بن جبرايل حاجيكي. تعرّض هذا الولد البريء إلى ضرب مبرّح بحضور والده جبرايل الذي كان ينظر إليه والدموع تملأ عينيه، وقلبه منفطر من الألم. عُذّب لعدّة أيّام، وفي كلّ مرّة كان يُفرض على أبيه مرافقته إلى قاعة التعذيب، ثمّ العودة به، والمرور أمام المسيحيين ليعرفوا ما جرى له. في 2 تموز، سيق الأب والابن إلى المكان المشؤوم حيث استُشهدا معًا.
– يوسف مالو. كان في السادسة عشرة من عمره، شابًّا متواضعًا وذكيًّا وخفيف الظلّ. ضُرب بقسوة طوال خمسة عشر يومًا، ثلاث مرّات في اليوم الواحد وهو في السجن، محتملاً عذاباته بصبر، من دون أن يتفوّه بكلمة، وأقدم على الموت شهيدًا شجاعًا للإيمان الكاثوليكي.
– توما يوسف حَنجو. ضُرب سبع مرّات إلى أن أصاب الشلل أطرافه، وتدفقت دماؤه من جميع جهات جسمه الذي اكتسى بالجروح. أخيرًا، اقتيد إلى ساحة الموت، وقُتل في 2 تموز.
– جرجس حنا آدم. هو جرجس بن حنا آدم الذي تعرّض للعذابات الأكثر قساوة. أُلقي القبض عليه في 25 أيار، واقتيد إلى دير الراهبات الفرنسيسكانيّات حيث جُرّد من ملابسه، وسُكبت المياه القارسة على جسمه العاري لمدّة طويلة، وتعرّض للضرب بالعصا، مثله مثل غيره من المسجونين، حتّى تعب الجلاّدون. وعند كلّ ضربة، كانوا يقولون له: “أَسلم تخلص”. لكنّ المسيحيّ الباسل كان يجيب بصوت عال: “أنا مسيحي، وأريد أن أموت على إيمان المسيح”. استمرّ الضرب عليه حتّى تَورَّم جسمه، وصار لحمه أشلاء، وجسمه كجثة هامدة. سُلّم إلى ذويه الذين قدّموا له الاسعافات اللازمة لكي يستعيد قواه. وبعد فترة، في 10 حزيران، أُعيد القبض عليه، واقتيد مع القافلة الأولى نحو ساحة الشهادة حيث قُتل مع رفاقه.
على هؤلاء الضحايا، يجب إضافة: فتح الله شلمّي، جبرايل نهبيه الذي أُصيب بالجنون، رزق الله ديلنجي، شكري كَسبو، يعقوب ويوحنا أولاد عبد المسيح نجيم، يوسف خضرشاه وابنه ميخائيل، رزق الله طازباز، وغيرهم من الذين تعرّضوا لأبشع أنواع التعذيب، وقُتلوا بلا رحمة.
يبقى الإشارة بشكل خاصّ إلى المدعو برّو، زعيم روسان والعين، المشهور بنفوذه وغناه. هجموا بغتة على دياره، وقتلوه مع جميع أفراد عائلته، ثمّ صادروا ممتلكاته.
ثالثًا: حالة الياس جرجي نصري نظريان وشهادته
على هذه اللائحة من الأعيان، أُضيف شهادة أحد سكّان ماردين، من ضحايا المجزرة الذين تمكنوا من الإفلات عن طريق الصدفة. ما زال هذا الشاهد الأصيل يعيش اليوم في بيروت، وقد سمعتُ منه الرواية التالية:
في العام 1915، في عيد الجسد، أُلقي القبض على سيّدنا مالويان، مطران ماردين. وفي عيد التجلّي من السنة ذاتها (6 آب) أُلقي القبض عليّ وعلى 360 شخصًا من الأرمن الكاثوليك. قالوا لنا بأنّ ديار بكر تعرّضت للحريق، وعلينا الذهاب لإخماده. تمّ تقييدنا، كلّ أربعة أشخاص مع بعضهم البعض، وأخذونا إلى صهريج موسى حيث كان أربعة جزّارون بانتظارنا للقضاء علينا، ورمي جثثنا في الصهريج. تلقّيتُ ضربة خنجر وبضع ضربات بالعصي، لكنّني رميتُ بنفسي في الصهريج قبل تلقّي الضربة القاضية، فانكسر كتفي وذراعي. عشتُ 40 يومًا وأنا على هذه الحالة. في البداية، كنتُ آكل الطيور التي عملت أعشاشها في الصهريج، ولكنّها سرعان ما غادرته حين صارت الرائحة المنبعثة من الجثث لا تُطاق. ثمّ بدأتُ أمتصُّ دماء الجثث، والقليل من الماء الذي وجدته في حفرة في الداخل. تمّ خلاصي على يد الحاج خليل بوم الذي كنتُ قد أسديتُ له بعض الخدمات حين كان في الحبس. ما أن علم بوجودي هنا حتّى قصد الشيخ، وحصل لي على إذن الخلاص، وسحبني من الصهريج، وأخذني إلى بيته.
لم أكن في قافلة المطران مالويان. بعد تحريري من الصهريج، صرتُ راعيًا، فتوجّهتُ إلى المكان الذي تمّت فيه المجزرة حيث التقيتُ امرأة اسمها نظيرة لولي ميخو، المتزوّجة من مسلم، تعيش في مكان قريب من المكان الذي أعطى فيه المطران مالويان المناولة إلى رفاقه.
أخبرتني بأنّها شاهدت، بأمّ العين، نورًا ساطعًا ينزل إلى المكان نفسه أثناء المناولة. فضلاً عن ذلك، إنّ جميع الجنود الذين رافقوا القافلة يقرّون بتلك الظاهرة، وأكدّه رئيس القافلة، الرقيب نوري.
وفي هذا الصدد، أذكر أنّه بعد وفاة المطران مالويان بتسعة أشهر، ضربت المدينة عاصفة قويّة أدّت إلى تدحرج صخرة كبيرة من الجبل، وسقوطها على منزل الرقيب نوري، ما أسفر عن مقتل جميع القاطنين فيه، ما عدا امرأة أرمنيّة كان اختارها نوري من القافلة لتصبح زوجة له. وفي تلك الليلة، خرجت بابنتها إلى بيت الخلاء الخارجي، وذلك بضع دقائق قبل سقوط الصخرة وحصول الكارثة.
هذا كلّ ما أعرفه عن ذلك الموضوع، وشهادتي صحيحة.
بيروت، في 19 كانون الثاني 1950
