كوميداس وقضايا في دراسة فن الغناء الروحي الأرمني (1)

كوميداس وقضايا في دراسة فن الغناء الروحي الأرمني (1)

 

لم يكن كوميداس مؤسساً للمدرسة الحديثة لتأليف الموسيقى القومية الأرمنية فحسب؛ بل كان مؤسساً لعلم دراسة الثقافة الموسيقية الأرمنية القديمة أيضاً. وليس من باب المصادفة أنه في أدبيات كوميداس تم تخصيص قسم خاص لمقالاته ودراساته. ويمكن القول إن البحث الذي قام به الباحث الموسيقي أ. شاهفيرديان يعتبر من الدراسات القيمة فيما يتعلق بإبراز القيمة الفريدة لدراسات كوميداس المتعلقة بقضايا الموسيقى والغناء الشعبي الأرمني، إلا أن البحث يفتقر إلى مناقشة موضوع فن الغناء الروحي الأرمني، ونهدف هنا إلى استكمال ذلك الجانب. يعلم الجميع أنه لم يتم تدوين أفكار كوميداس في الكتابات المتعلقة بالموسيقى الروحية فقط.

لقد كان كوميداس ينظر إلى فن الغناء الكنسي الأرمني كأحد أكبر جزأين من الثقافة الموسيقية القديمة وموسيقى القرون الوسطى في أرمينيا، حيث يقول: “إن موسيقانا تقسم إلى قسمين أساسيين: 1- الكنسية 2- الدنيوية أو بشكل أدق الشعبية”.

وهنا لا نتوقف عند رأي كوميداس القابل للتفسير، بقصد حل المشاكل التي كان يواجهها في زمنه، حيث كان يضيق حدود الفن الدنيوي، ليصل إلى الشعبية-الريفية البحتة، وبذلك يقلل من قيمة الموسيقى والغناء الحضري وغناء الشعراء الجوالين.

يجدر بنا أن نلاحظ أن كوميداس بتقسيمه الموسيقى القومية إلى قسمين كان مدركاً للفروقات في المضمون الفكري للقسمين، فإنه في الوقت نفسه كان ينظر إلى القواسم المشتركة الهامة في الموسيقى والغناء الكنسي والدنيوي من ناحية بنيتها وأسلوبها اللغوي، فيتحدث عن الأجناس الرباعية التي تشكل أساساً للموسيقى الأرمنية، ويقول: “لقد تم تأليف الألحان الأرمنية، الشعبية منها والكنسية على أساس الأجناس الرباعية، فهي كالأخ والأخت، ولها البنية ذاتها”. وسنرى أن حالة الأجناس الرباعية التي يدافع عنها كوميداس تكشف عن مبدأ بنية السلّم الصوتي للموسيقى الأرمنية أحادي الصوت، لكن حسب نظرية كوميداس التي تحملت التحديات في تلك الفترة الزمنية بشكل مدهش، فهناك نقاط مشتركة بين فن الموسيقى الأرمنية الكنسية والدنيوية، ليس فقط في السلالم المستخدمة وإنما في العناصر الأساسية للألحان المتنوعة الناتجة عن هذه السلالم، والدليل على ذلك هو أن كوميداس قام بتطبيق العلامات الأرمنية لحالة الثمانية أصوات (أتس، أك، بتس، كتس، الخ) بهدف التمييز بين سلالم الأغاني الكنسية والشعبية. وهنا يبرز جهد كوميداس في البحث لتوضيح وجود ارتفاع طبقات الصوت بشكل مشترك في الأغاني الشعبية والكنسية الأرمنية، فقد شرح في إحدى محاضراته بالأمثلة عن الرابط القوي بين الألحان الشعبية والكنسية، وأكد أن البعض ينطلق من السطحية ومن عدم قدرته بالنزول إلى عمق الألحان، ليستنتجوا أن الألحان الأرمنية الشعبية والكنسية لديها خصائص وصفات مختلفة تماماً.

من اللافت أيضاً ما كان يراه كوميداس من توافق في الأنماط العامة في تأليف وتلحين الأغاني الكنسية والشعبية، حيث يقول: “إن ألحان تلك المجموعتين تشكل ظاهرة لافتة بحيث أن الصوت والكلمة، أو بكلمة أخرى الموسيقى والقصيدة، تحملان بصمة إبداع الشخص الواحد وفي الوقت نفسه”.

مما لا شك فيه أن هذه القناعات لا تنبع فقط من الدراسة النظرية، بل من البحث التاريخي المتعمق الذي يسمح بإعطاء الرأي بشأن العلاقة المعقدة المتبادلة بين الفن الكنسي والدنيوي. ويتساءل كوميداس: “بأية ألحان كانت تغنى المزامير؟”، -ويعني بذلك فترة المزامير في الموسيقى الكنسية الأرمنية في القرن الرابع الميلادي- ويجيب بنفسه: “من الأرجح أن تكون بالألحان الشعبية القديمة”. إلا أن تطور الأجواء الدينية في نهاية الأمر لا يبقى بعيداً عن التأثير على الموسيقى الشعبية، ويبين كوميداس تغلغل تلك الأجواء في (أغنية العمل) لدى الفلاح الأرمني، كما في (أغنية الحراثة) المعروفة في منطقة (لوري) على سبيل المثال، التي تبدأ بعبارة صلاة (Okhneli Asdoz-مبارك الرب). وهذا يدل على أن الفن الكنسي كان يستخدم منذ فترة تشكيله الثراء اللغوي المتراكم منذ زمن بعيد في الموسيقى والغناء الدنيوي. إلا أنه هو أيضاً وبعد تشكله وعلى مر الزمن، يبث روحاً دينية في بعض الأنواع من الموسيقى الدنيوية، خاصة على الأغاني الشعبية الخاصة بالفلاحة والأغاني الطقسية.

هناك ما يدل على أن كوميداس كان يلاحظ بدايات العلاقة المتبادلة بين الفنون الشعبية والعبادة في أرمينيا الوثنية كما بين الدنيوية والروحية، وخاصة في الرقص وتأثيراتها على الحياة المسيحية. وكتب كوميداس ما يلي: “الوثنيون لديهم رقصتان أساسيتان، روحية وشعبية، انتقلتا إلى حياة الشعوب الحالية بأدوارها البدائية، فقد تم انتقال العديد من الطقوس والرقصات الوثنية إلى المسيحية. وما زالت بعض الآثار الدينية مستمرة في الرقصات الشعبية والدنيوية، كما في رش المياه التي تدل على حركة في رقصة معينة، والقفز فوق النار في عيد التجلي والرقصة العسكرية …الخ”.

لم يلحظ كوميداس فقط قواسم وروابط مشتركة بين القسمين في الموسيقى القومية بل لاحظ أن هناك اختلافات بينهما أيضاً. وبهذا الإطار يقول أنه هناك لغطاً في فتح فجوة بين الأغنية الشعبية والروحية، ويعزو سبب اللغط إلى تأثير الموسيقى الأجنبية، وخاصة التركية والفارسية. فمثلاً، كان أعضاء الجوقة ورجال الموسيقى في القسطنطينية يقومون بتزيين وتجميل الألحان الكنسية تحت تأثير الأغاني الشعبية التركية من أجل إرضاء الأعيان الأثرياء وإبهاجهم، وهكذا تم تطعيم التراتيل وخاصة المتعلقة بالأعياد بأسلوب أجنبي، ففقدت أصالتها.

وجاء اللغط كذلك نتيجة الأغاني الكنسية التي تعود إلى الفترة الكيليكية حيث يلاحظ تأثير الموسيقى العربية بشدة، كما في الأغاني الروحية لشنورهالي ولامبروناتسي غيره. (اشتهر الشعراء نرسيس شنورهالي (1100-1173) ونرسيس لامبروناتسي (1153-1198) في علم اللاهوت الأرمني والموسيقى الروحية – المترجمة).

من المعلوم قناعة كوميداس التقدمية بأن التأثير المتبادل للشعوب هو حقيقة دامغة، وأنه “لا يوجد شعب لم يتأثر بغيره، فكل شعب يأخذ من غيره ما لا يملكه عند الضرورة ويجعله قومياً. وأنه لا توجد موسيقى نقية وغير خليطة، سوى أصوات الحيوانات، فهي تغني الصوت ذاته، ولا تملك نعمة التبادل”.

بالعودة إلى مسيرة تطور الموسيقى الكنسية في الحياة الأرمنية في القسطنطينية، يمكن التعرف من مقالات كوميداس أن انتقاده يلمّح إلى عقد واحد من القرن التاسع عشر حيث ظهر موسيقيون أرمن في القسطنطينية، دون أن تترك إبتكاراتهم أي أثر في فن غناء القداس الأرمني. وبذلك كان كوميداس يكّن احتراماً عميقاً لعدد من المختصين بالتراتيل الدينية في القسطنطينية والذين أسهموا بجهودهم في تأسيس وتحسين صيغة جديدة لتسجيل الألحان الأرمنية وتدوين مئات النماذج من الموسيقى الكنسية الأرمنية كما وردت حتى القرن التاسع عشر، منها على شكل مجموعة مخطوطات قديمة ومنها ما وصل شفهياً. فيشير كوميداس إلى أنه قبل الإنجاز الناجح في تدوين الألحان الروحية الأرمنية التراثية، كانت الموسيقى الكنسية في القسطنطينية في فترة ما لعبة بيد الأذواق الفردية للرجال المغنين من الدرجة الثانية وذوي النزعة الأجنبية. ولكن تلك الفترة لم تدم طويلاً. ويكتب كوميداس في كتابه (الموسيقى الكنسية الأرمنية في القرن التاسع عشر)، (نشر عام 1897)، “إن فترة هؤلاء المغنين الأحرار دامت بين عامي 1864-1873، حين بدأت مرحلة جديدة للموسيقى الكنسية القومية”.

من اللافت أن الكاثوليكوس كيفورك الرابع قد أوعز إلى الموسيقي ن. تاشجيان للحضور إلى إيتشميادزين (مقر الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية في أرمينيا) من أجل تدوين أغاني التراتيل والقداديس المصادق عليها رسمياً من قبل الكنيسة الأرمنية، وكما ذكر فإن التعسفية التي اتبعها المغنون الأحرار كانت ترتكز على الإنشاد في القداس، فيوضح كوميداس بخصوص موجة الموسيقى في (الذوق الفردي) بأن بعض المنشدين يحسبون أنفسهم موسيقيين ويعلّمون تلاميذهم التراتيل ومراسم القداس بألحان تركية وشعبية، وكذلك بما تفننوا به من ألحان أجنبية ودخيلة لتنشر في كنائس القرى والمدن في أرمينيا الغربية، مؤكداً أن “ألحان التراتيل وصلت إلينا دون تعديل”، كما أكد مراراً وتكراراً أنه “طرأ تعديل كبير على الغناء الكنسي الأرمني خاصة في مراسم القداس”، لكن اللافت هو رأي كوميداس في (قداس يكماليان) الذي استفاد من الطبعة الأولى لمراسم القداس عام 1874 وكذلك الطبعة الثانية عام 1878. منتقداً إياه في انحرافه عن الأصل عندما نقل الألحان إلى التدوين الأوروبي أو في استعانته لمصدر مشكوك في ألحانه.

فعلياً، لقد انعدم أحد الاختلافين اللذين لاحظهما كوميداس بين قسمي الموسيقى الأرمنية القومية لأنه بات من الواضح أن التوجه الأجنبي فيما يخص الفن الكنسي هو ظاهرة فردية ومحلية مؤقتة لا تنتشر ضمن تدوينات الأغاني الروحية الأرمنية المعروفة والمعتمد عليها في الدراسات الحالية.

ولا بد من توضيح فكرة أن الموسيقى والغناء الروحي الأرمني بشكل عام كفنّ احترافي مقارنة بالشعبي صاغ بشكل طبيعي روابط متبادلة أكثر مع الحضارات المجاورة، لأن الفن الاحترافي يتطور بأسلوبه في كل مكان وبين كل الشعوب بشكل أوسع من الشعبي – القروي.

أما الاختلاف الآخر، الذي لاحظه كوميداس بين الفن الروحي والفن الشعبي الأرمني تم تدوينه عبر المخطوطات أيضاً. ويشير إلى أن الألحان الشعبية والكنسية الأرمنية لم تتطور بشكل متساو. فالأولى تم قمعها تحت تأثير الظروف السياسية الخارجية دون أن تفقد عمقها وقوة تعبيرها، أما الأخرى فقد نمت وتطورت تحت رعاية الكنيسة.

يجدر بنا القول إن الظروف السياسية الخارجية أثرت في مسيرة ثورة الموسيقى الكنسية الأرمنية بشكل متساو أو أحياناً بشكل أكبر. وإن كانت الأخيرة قد نمت وتطورت وتوسعت فذلك بفضل الفن الاحترافي الذي صيغ بجهود اختصاصيين ذوي درجة علمية عالية.

مهما حملت مقولات كوميداس من هفوات فإنها توضح حقيقة أساسية بأن فن الغناء الدنيوي والروحي يكملان بعضهما ويشكلان سوياً الموسيقى القومية الأرمنية، حيث يقول: “نحن نكوّن صورة حقيقية عن الموسيقى القومية بشكل أشمل بوجود الموسيقى الكنسية والدنيوية”. ويدرك كوميداس كافة الصعوبات المتعلقة بالأبحاث الشاملة، ويشدد بكل صدق علمي قائلاً: “إن المواد التي تتعلق بالموسيقى الأرمنية وخاصة القديمة لم يتم دراستها ونقدها لأننا نفتقد إلى الوسائل والمختصين. فهناك مختصون موسيقيون أجانب بحثوا في الموسيقى الأرمنية أمثال فيلوتو، وفيتيس وفليشر وغيرهم، لكنهم لم يتوصلوا إلى نتائج إيجابية لعدم وجود المواد، أما أنا فقد شرعت في تسجيل وتدوين المواد والمصادر التاريخية الأجنبية والأرمنية المتوفرة، لكني لم أدرسها وإنما جمعتها ليستفيد منها المختصون”. إلا أن كوميداس تمكن من دراسة أبحاث نظرية لقضايا تتعلق بالأسس السمعية للموسيقى الروحية الأرمنية وصولاً إلى القضايا المختلفة المتعلقة بعلم النوتة الموسيقية.

إن الأسس السمعية للموسيقى الأرمنية (والروحية) لا تختلف عن أسس الموسيقى في الشرق الأوسط، وقد بحث كوميداس في هذا الإطار، حيث لاحظ أن السلّم الأرمني الأساسي يتوافق مع السلّم الموسيقي المنتشر في الشرق.

وكان كوميداس خلال سنوات دراسته في إيتشميادزين قد اعتمد نمط التقدميين في التدوين الأرمني الحديث. وبعد ثلاث سنوات عندما تعمق كوميداس في تدوينات الموسيقيين الأرمن في القسطنطينية والسلّم الأساسي في الموسيقى الأرمنية وعلاقته بالسلالم الأوروبية والشرقية، توصل إلى بعض النتائج، ثم عاد إلى نمط التقدميين بخصوص كشف ظاهرة رئيسية، فيما يخص مبدأ الأجناس الرباعية وتسلسلها مع بعضها البعض. ويتم تطبيق مبدأ تسلسل الأجناس الرباعية في الموسيقى الشرقية والأرمنية منذ زمن بعيد، حيث كانت معروفة بشكل أو بآخر في القدم وفي القرون الوسطى، لكن في نهاية القرون الوسطى، كانت التصورات السابقة عن بنية السلّم الأساسي ضبابية بسبب تقلص العلاقات الثقافية والعلمية في بلاد الشرق الأوسط وأرمينيا. ولم يكن هناك أي مفهوم نظري واضح حول بنية السلّم الأساسي لدى الموسيقيين الأرمن والأتراك واليونان في القسطنطينية في القرن التاسع عشر.

وكان الموسيقيون الأرمن، المحافظون والتقدميون، يدافعون عن الانتقال المقامي الذي يذكرنا بالسلالم الأوروبية ذات البنية بالبعد الثمانية عند شرح كل لحن صوتي للتدوينات الأرمنية الجديدة في الكتب المدرسية، والتي كانت تعتبر دخيلة أجنبية حسب الدراسات النظرية. إلا أن تلك الحالة لم تربك الموسيقيين المتعمقين بفن الغناء القومي، طالما أن الموسيقى الأرمنية مازالت في مجال أحادية الصوت، لكن الوضع اختلف عندما دخل الفن الأرمني حقاً مرحلة تشكيل المدرسة الجديدة للتأليف القومي وتعدد الأصوات، متجاوزة المرحلة البدائية الخاصة بمبادئ الموسيقار كارامورزا وصولاً إلى فن الموسيقار يكماليان.

 

المصدر: كتاب “كوميداس والموسيقى الأرمنية”، دمشق، 2016.

ترجمة: د. نورا أريسيان.

المرجع: كتاب (كوميداسيات)، (تحرير روبيرت أتايان)، نيكوغايوس تاهميزيان (1926-2011) عالم موسيقي، منشورات أكاديمية العلوم في أرمينيا السوفيتية، يريفان، 1969، ص 159.

Share This