كوميداس وقضايا في دراسة فن الغناء الروحي الأرمني (2)

كوميداس وقضايا في دراسة فن الغناء الروحي الأرمني (2)

 

ونخلص إلى مقولة كوميداس الشهيرة حول الموسيقى الشعبية والكنسية الأرمنية: “لقد تم تأليف الألحان الشعبية والكنسية بصيغة الأجناس الرباعية، وهما مثل الأخ والأخت، ولهما البنية ذاتها”. أما ما لا ينصاع إلى صيغة الأجناس الرباعية دخيل وغريب. إذاً، سر تشكيل الألحان الأرمنية بسيط، فمن العبث البحث عما يشابه ماجور-مينور أوdur ، moll الأوروبية في الموسيقى الأرمنية، لن نجدها لأنها غير موجودة. إن هذا المفهوم الخاطئ خلق حالة موسيقية مزيفة في الإنشاد الأرمني.

كما نورد ملخصاً لمقالة له حول العلامات الموسيقية الأرمنية حيث يقول: “إن الموسيقى الشعبية والكنسية الأرمنية لا تعتمد على السلالم الموسيقية الأوروبية، بل على نظام الأجناس الرباعية، وعند التحاق هذه الأجناس ببعض يصبح الصوت الأخير للجنس السابق أول صوت في اللاحق. إن الجنس الرباعي الذي يهيمن على الموسيقى الأرمنية هو الجنس الماجور حيث تبقى الفاصلة بين الأصوات الأولى والأخيرة دون تغيير، بينما تختلف الفواصل بين الدرجات الوسطى، ومن خلال العلاقات التتابعية المختلفة للأجناس الرباعية الستة تبنى كافة الألحان الأرمنية”.

أما فيما يتعلق بعلاقة نظام الأجناس الرباعية الأرمنية بالموسيقى الشرقية (الشرق أوسطية) من جهة، والانتقال المقامي الأوروبي من جهة أخرى، فقد كتب كوميداس عن العلاقة بين الموسيقى الأرمنية والشرقية ما يلي: “إن الاختلاف بين ألحاننا والألحان الشرقية الأخرى هو أنهم يغيرون شكل الأجناس الموسيقية بزيادة عدد درجاتها أو نقصانها، أما نحن فنعتمد الجنس المؤلف من أربع درجات ونقوم باعتماد نظام المسافات المبني على نصف درجة للأصوات الداخلية. أما في الموسيقى الفارسية والتركية والعربية فيستخدمون المسافات غير المجدية والمعتمدة على ثلث وربع درجة. وحتى نظام الإيقاع مختلف في موسيقانا”.

يمكن القول: إن تسلسل الأجناس الرباعية لها أهمية كبيرة في الموسيقى الأرمنية والشرق أوسطية بشكل عام على حد سواء، حيث تمثل الأجناس الرباعية استقراراً من الناحية الصوتية وتكون حدودها الدنيا والعليا درجات ثابتة.

كانت موسيقى الشعوب الشرقية ومن ضمنها البيزنطية، قد عاشت تراجعاً، خلال الخمس مئة أو الست مئة عام الماضية، خلافاً للأوروبية (التي تقدمت بخطوات كبيرة)، حيث تشكلت فجوة كبيرة بين الفنون المتطورة بنفس المسار حتى نهاية الألفية الأولى.

وبمنأى عن أسباب الركود الطويل للحياة الموسيقية لدى الشعوب المجاورة لأرمينيا، تجدر الإشارة إلى أن مسيرة فن الموسيقى الأرمنية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر فشلت بسبب الخراب الذي خلفته القبائل التي غزت هذه المنطقة ونظام الحياة الذي فرضته.

كشف كوميداس عن بنية السلّم الأرمني، وانتقل إلى دراسة حركات الإنشاد الروحي القومي حيث تستند إلى ذلك السلم وفق بنيتها في الدرجات، ويجمع كوميداس مفهوماً عريضاً لها وهو غناء المزامير الذي يقع بين الإلقاء والغناء مع ما يتطلب من أسس موسيقية ونظم الشعر.

لقد تناول كوميداس قضايا نظام النوتات في التلحين والخطابة الأرمنية. وكما أدركها هو كموسيقي، فإنه في القرنين الرابع عشر والخامس عشر جرى إدراج عدد من النوتات الموسيقية إلى النوتات الأرمنية بنظام علامات التدوين الأرمنية. ويمكن القول: إن الدراسة التي قام بها كوميداس حول الغناء الموزون يفسح المجال لتلاقي أشكال الموسيقى الملحمية في الفن الروحي والدنيوي.

لم يتمكن كوميداس من إنجاز بحثه عن خصائص وأشكال الغناء الروحي المختلفة استناداً إلى الألحان الصوتية في الموسيقى الأرمنية، فقد ألمح فقط عن ذلك في مقالته الأولى وأشار إلى أنه في بداية القرن الخامس بعد اكتشاف الأبجدية، عندما بدأ دور غناء المزامير في طقوس العبادة ينحسر أمام الغناء الروحي الخاص والمؤلف حديثاً، تطورت وتقدمت التراتيل والأنواع الأخرى في الفن الكنسي. وقد قام كوميداس بتعريف تلك الأنواع على النحو التالي: التراتيل: وهي في أغلبها من النثر وقليل منها قصائد موزونة، ومنها نوعان: توكيدي ومقطعي. الأناشيد: وهي خطب حقيقية موزونة. أما التبشيرات: فهي تنسب إلى موفسيس خوريناتسي لكن بأسلوب مختلف بعد أن انتقلت بالتواتر الشفهي.

وكان هدفه من المقالة هو تعداد تقريبي للأغاني الكنسية الأرمنية الرئيسة والألحان الثانوية. وبهذا فإن كوميداس يميز بين ألحان التراتيل وألحان الأغاني الروحية الأخرى فيقول: “إن عدد الألحان الرئيسية للتراتيل وتفرعاتها هو أربعون”. وهنا يبرز صاحب النظريات الموسيقية فعلياً نظام التدوين (ثماني درجات ومدرجين)، مشيراً إلى أن الاعتماد على هذا النظام في التوزيع يعطينا مادة هامة لها أساس تاريخي وفق مخطوطات تعود إلى القرن الخامس الميلادي، ويضيف: “إن الألحان الفارسية والعربية والتركية تعرف بالأسماء نفسها”. ويبين قائمة مقارنات لإبراز الدرجات الأرمنية الأساسية ومثيلاتها في الموسيقى الشرقية:

أتس – هيفدوكا

أك – سيكا

بتس – حسين

بك – عجم

كتس – حجاز

كك – سابا

تس – نيفا، أصفهان

تك – يوشاك.

ويبين كوميداس أن عدد الألحان الإبداعية الكنسية الأخرى هو مئة واثنان وخمسون لحناً. ويفيد بأن “كل ألحان الأناشيد والأغاني الروحية خلال القرون الماضية تغيرت وتطورت وفق أذواق العديد من الأشخاص؛ لأن استخدامها لم يكن ملزماً، أما ألحان التراتيل التي كانت ملزمة ومحددة الاستخدام فلم تتغير فعلياً”، وانطلاقاً من هذا العدد، يقيم كوميداس حسابات عديدة تهدف إلى تعداد الألحان ذات الصنف الواحد وتقليص عدد ألحان التراتيل إلى العشرين، ويستنتج أن العدد الإجمالي لكافة ألحان الأغاني الروحية الأرمنية هو مئة وأربعون أو مئة وخمسون، ويضيف: “يجب ألا يدهشنا هذا العدد، كوننا شعب شرقي فإن ألحاننا أيضاً تعدّ من الألحان الشرقية المتشعبة، وهي مرتبطة بها بشكل كبير”. طبعاً هذا الرقم تقريبي، والمعلوم أنه في القرون الوسطى في أرمينيا كما في أماكن أخرى، لم تكن تؤلَّف ألحان جديدة للقصائد عند الغناء في الموسيقى الشعبية أو الروحية أو الشعر الغنائي، بل كان يتم التوافق بين الألحان التراثية والقصائد الجديدة، وبالتالي نجد الكثير من الألحان ترتبط بأعداد كبيرة من القصائد المختلفة، إلا أن تطبيق الألحان التراثية كان يتطلب إبداعاً عفوياً أو غريزياً وموهبة في الارتجال.

على أي حال، كان كوميداس أول من تناول القضايا النظرية في تحليل الأغاني الروحية الأرمنية، كما أعطى أفضل التحليلات العملية أيضاً، انطلاقاً من خلفيته الموسيقية العارف بكافة النسخ المختلفة للنماذج، ضمن إطار المصادر والمراجع المكتوبة والشفهية.

أما فيما يخص دراسة رموز النوتات فقد سخّر كوميداس نفسه عقدين من الزمن من أجل هذا الموضوع، وحسب المعلومات المتوفرة فإنه منذ منتصف عام 1890 بدأ بجمع المواد وترتيبها وتصنيفها، لينتقل من مراحل التعرف على الأدبيات لدى الأرمن وغيرهم، إلى أن كتب في عام 1910 بحثاً لتوضيح نظام رموز النوتات الأرمنية. وهذا ما تؤكده الصحافة الأرمنية آنذاك بالإضافة إلى الكتّاب الأجانب، فقد كتب كوميداس عام 1910 ما يلي: “حقاً وجدت مفتاح النوتات الأرمنية، وأنا أقرأ الكتابات العادية، ولكني لم أتوصل إلى نقطة النهاية، حيث تمر أيام وأشهر من أجل التعمق في معنى كل نوتة من خلال البحث في عشرات المخطوطات، ليسامحني المجتمع الأرمني وليكن صبوراً حتى أنهي أبحاثي”.

لكن المؤسف والمفجع أنه لم يتم الاحتفاظ بالكتابات التي يذكرها، ما يعطي قيمة أكبر لمقالاته المنشورة بهذا الصدد، ففي عام 1913 على سبيل المثال تناول أعمال علم النوتة، ويستشهد كيف اعتمد مبادئ علمية في دراسة النوتات، فكتب يقول: “لقد ركزتُ في دراستي على رموز النوتات الأرمنية القديمة والتي قضيتُ عشرين عاماً في دراستها حيث استطعت فقط جمع مواد كافية، وقمت بتصنيفها لأكوّن فكرة عن منشئها وتطورها وتدوينها، لأنني كنت الجامع والباحث في آن معاً، فقد شرعت في هذا البحث وتعمقت في معنى النوتات بهدف استخراج الألحان الأرمنية القديمة من المخطوطات، وتمتين الموسيقى الكنسية من خلال ملاءمتها مع المتطلبات الحديثة”.

وأدخلت هذه الأسطر قيمة استثنائية في تخطيط تطور علم النوتات الأرمنية الحديث. مع العلم أن كوميداس كان قد كتب في عام 1899 في الصحافة الألمانية بحثاً عن نظام علامات التدوين للموسيقى الأرمنية والإلقاء الأرمني الموزون. وفي عام 1914 ألقى محاضرة في باريس أمام الكونغرس الوطني للموسيقيين باللغة الفرنسية بموضوع (علامات التدوين في الكنيسة الأرمنية)، والأهم أن كوميداس استخلص نتائج أبحاثه التي دامت سنوات طويلة ليبين رموز علم التدوين للموسيقى الأرمنية. وأورد قائمة الرموز على الشكل التالي: المفتاح – درجة الصوت (نصف الدرجة) – التنقيط – الأسلوب – قوة الصوت – وغيرها.

وفي النهاية، فإن إحدى الخصائص البارزة للألحان المنتشرة خلال الحقبة الإقطاعية في أرمينيا هي التغلب على بعض الخطوط المتحجرة للموسيقى الصوتية القديمة والاستخدام الحر للانتقال المقامي. وكان من المنتظر أن يأتي هذا التحديث في التجربة الإبداعية بإدراج علامات جديدة في كتابة النوتات، لكن ذلك لم يحصل، وبالعودة إلى تصنيفات كوميداس في النوتات فهي ذات قيمة كبيرة وقد خدمت وما زالت كنقطة انطلاق لأعمال بحثية.

وهكذا نكون قد ناقشنا هنا مجمل الأنظمة النظرية بالإضافة إلى أفكار وأقوال كوميداس حول دراسة الموسيقى الروحية الأرمنية، فقد وضع كوميداس أسس العلوم الحديثة لفن الغناء الأرمني القديم، وقام برسم طريق تطور ذلك العلم في المستقبل وتهيئته بشكل ملموس.

 

المصدر: كتاب “كوميداس والموسيقى الأرمنية”، دمشق، 2016.

ترجمة: د. نورا أريسيان.

المرجع: كتاب (كوميداسيات)، (تحرير روبيرت أتايان)، نيكوغايوس تاهميزيان (1926-2011) عالم موسيقي، منشورات أكاديمية العلوم في أرمينيا السوفيتية، يريفان، 1969، ص 159.

 

Share This