
ماذا يعني أن تكون أرمنياً؟ بقلم الكاثوليكوس آرام الأول
بالإمكان كتابة مجلّد كامل للإجابة عن هذا السؤال، لكنني سأحاول أن أتقاسم معكم بعض الأفكار باختصار.
لا يوجد شخص لا يمتلك نوعاً من الانتماء، سواء أكان قومياً، ثقافياً، دينياً أم سياسياً، فالإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يكوّن شخصيته ويستمرّ في الوجود بمعزل عن الحياة الاجتماعية، فهو يكوّن ويحقق ذاته ضمن الإطار الاجتماعي، والجماعة هي التي تمنح الفرد هويته، أي أن يشكّل ذاته ويعبّر عنها بطريقته الخاصة.
يولد المرء ممتلكاً هوية ما، وتتبلور شخصيته عبر تلك الهوية، وبعد سنوات عديدة تتحوّل تلك الهوية المتوارثة إلى هوية واعية، وفي هذا الإطار يمتلك الأرمني هويته الخاصة التي يعبّر عنها بانتمائه القومي والثقافي والديني.
يتبيّن عند إلقاء نظرة عابرة على تاريخ الشعب الأرمني، بأنه استطاع رغم الخوض في التقلّبات العاصفة للتاريخ وقطعه لدروب التهجير المحفوفة بالموت، أن يبقى متشبثاً بهويته، وبهذه الطريقة استطاع الحفاظ على بقائه أرمنياً.
إن تاريخ الشعب الأرمني في جوهره هو صراع بقاء، وهو ليس مجرد نضال لأجل النجاة وحسب، بل كانت حياة الشعب الأرمني جهداّ متواصلا لبقاء خلّاق.
صحيح بأن صلابة وعمق ثقافتنا وإيماننا وأرضنا قد جعلت منها المحاور الرئيسية الثلاثة لنضالنا الوجودي، لكن ما أضفى عليهم القيمة والمعنى الحقيقيين وجعلهم يتحوّلون إلى سبيل للحياة والخلود هو الإخلاص المطلق والحماس المقدّس للأرمن لها.
لم يكن من السهل البقاء أرمنياً في ظل الظروف اللامواتية لذلك في المهجر، فالبقاء أرمنياً هناك هو مسألة خيار يتطلّب نضالاً مستمراً وإيماناً مطلقاً والتزاماً واعياً لتلك القيم والمقدّسات والمثل العليا التي تشكّل بمجملها الهوية الأرمنية لكل أرمني.
ماذا يعني البقاء أرمنياً في هذه المرحلة المصيرية من تاريخنا في المهجر، وبشكل خاص في القارة الأمريكية المتّسمة بالغربة والاغتراب؟، إن هذا السؤال يبدو بسيطاً في ظاهره لكنًه يحمل دلالة عميقة في جوهره، إذ يرتبط به فلسفتنا الوجودية ورؤيتنا وطريقة تفكيرنا وعملنا وأسلوب حياتنا.
من نحن؟ ما الذي يجب أن نؤول إليه؟ كيف يجب أن نتصرّف كأرمن في مجتمعات نشكّل ضمنها أقليّة، وسنبقى كذلك في واقع الأمر.
عشت فترة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنا على دراية تامّة بتلك الظروف الصعبة التي يتوجّب ضمنها أن يعيش أبناء شعبنا كي يحافظوا على هويتهم الأرمنية.
إن الدّروب المترامية أمامنا زلقة، والجو المحيط بنا ملوّث، والأفكار والمعتقدات التي تسلّلت إلى حياتنا خطيرة، بعبارة أخرى إن الأرمني معرّض دائما إلى التجارب التي تحاول النيل من هويته وإقصائه عن محيطه الأرمني.
استطاع أبناء شعبنا خلال العقود المنصرمة من المحافظة على هويتهم عبر تشييد المدارس والكنائس والنوادي، واستمروا مخلصين لتقاليدهم وتراثهم ولقيمهم الروحية والفكرية، وقد أمكن تحقيق كل ذلك بفضل التضحيات الكبيرة لأبناء الشعب الأرمني وبلوغهم لأقصى درجات الوعي الوطني.
ما يُشرّف أبناء شعبنا أنه وبالرغم من وطأة هذه الظروف الصعبة استطاعوا ليس فقط المحافظة على هويتهم الأرمنية وحسب، بل بمنح أبنائهم التربية الأرمنية الصالحة.
ربما تكون الظروف الراهنة أصعب كثيرا من سابقاتها، بسبب انخراط الجيل الأرمني الجديد تحديداً بتحدّيات ومعتقدات وأسلوب حياة الجيل الجديد في أمريكا، لذلك فأن تبق أرمنياً اليوم يستلزم جهداً مضاعفاَ وإحساساً بالمسؤولية وإخلاصاً كبيراً.
أن تكون أرمنياً يعني أن تتمسّك بجذورك بقوة، وتحصل على النسغ اللازم لحياتك واستمراريتك من تلك الجذور، والويل لإنسان أو أمة بدأ جذوره بالذبول، فالشجرة تقوم وتحيا بفضل جذورها، وجذور شعبنا هي قيمه الروحية والفكرية ومقدّساته وتراثه.
أن تكون أرمنياً يعني أن تكون مخلصاً للكنيسة، فالكنيسة بالنسبة لنا هو ذلك الصرح الإلهي الذي أصبح الأرمني تحت سقفه أرمنياّ بحق وتميّز، وهو ذلك الصرح الذي نال هوية قومية وتحوّل إلى فلك نجاة لشعبنا في مواجهة الأمواج العاتية لتاريخه، وأن تكون جزءاّ من الحياة الكنسية الجامعة تعني أن تكون جزءاً من حياة الأمة، لأن الكنيسة والأمة أصبحوا يستمدّون القوة ويغتنون من بعضهم الآخر، وهم بذلك قائمون سوية وسيبقون كذلك دائماً.
أن تكون أرمنياً يعني أن تكون مرتبطاً بوطنك، صحيح بأن أبناء شعبنا في المهجر هم مواطنون لدول مختلفة، ويؤدون واجباتهم كاملة كمواطنين في تلك الدول، لكن قبل وفوق هذه المواطنة المؤقتة فهم المواطنون الأرمن الأزليون، وهم أبناء الوطن الأرمني دائماً وأبداً.
أرمينيا هي ملكية كل الأرمن، والأرمن جميعهم ينتمون بدورهم لأرمينيا، وعلى هذا الأساس يجب أن يحيا ويفكّر ويعمل كل أرمني.
لا يجب أن يبقى كل ما سبق ذكره قيد المشاعر والأحاسيس، بل يجب أن يتحوّل إلى ممارسة حقيقية وعمليّة في حياة كل أرمني، وهذا يتحقق إن كنا مؤمنين بأن الانتماء الأرمني ليس مجرّد بطاقة تعريفية أو إرث قديم بل هو انتماء واعٍ عبر الدم والدين والثقافة والأرض، لهذا كان لزاماً أن يكون لانتمائنا تعبيراً محسوساً ودائماً في حياتنا اليومية.
نعم، من الصعب أن تكون أرمنياً، لكن الأصعب أن تبقى أرمنياً في ظل الظروف الراهنة، وهذا تحدٍ موجّه إلى كل أرمني، تحدٍ آتٍ من أعماق التاريخ، تحدٍ ممزوج بشجاعة أبطالنا ودماء شهدائنا وصلوات قديسينا، لذلك يتوجّب على كل أرمني أن يعيش حياته بروح وإرادة وإيمان نابعين من تلك التحديات.
ترجمها عن الأرمنية شانت مانجيان
المقال مقتطف من الكتاب الصادر باللغة الأرمنية (أمة، كنيسة، وطن: الكاثوليكوس آرام الأول، أنطلياس 1999) ص 264 – 266. العنوان الأصلي للكتاب:
(ԱԶԳ, ԵԿԵՂԵՑԻ, ՀԱՅՐԵՆԻՔ – ԱՐԱՄ Ա. ԿԱԹՈՂԻԿՈՍ – ԱՆԹԻԼԻԱՍ 1999).
