رثاء إبن خالتي المطران ميغريك باريكيان


نزاريت ازميرليان
مهندس – رئيس مجلس تنفيذ المشاريع الإنشائية  
(مؤسسة عامة سابقة)

ايها الغائب الحاضر ،،،

كان أمر موتك صدمة لي فأنت مازلت شابا بل في ريعان شبابك، تتمتع بصحة جيدة وببنية جسدية ونشاط وحراك يحسدك عليها الكثيرين، لكنك بموتك إتضحت لي أكثر بعض من جوانب التساؤلات حول الموت والحياة  وهي تساؤلات أتوقف عندها يوميا في هذه الوحشة القاتلة التي نعيشها خلال هذه الفترة العصيبة من الإقفال التام حملتنا في جانب الحسنات منها الى العودة الى الذات ليتبين لي اكثر من اي وقت مضى:

  • بأن الموت يأتي دون استئذان يخطف الصالحون منا، هكذا يرحل الطيبون منا بهدوء ، فالأمثلة كثيرة لما شاهدناه مؤخرا في محيطنا ومن حولنا
  • بأن موت الصالح راحةٌ لنفسه، أما موت الطالح فراحةٌ للناس
  • بأن الإنسان في حياته كعابر سبيل يترك وراءه كل أثرٍ جميل فما هو في الدنيا إلا ضيف وما على الضيف يومًا إلاّ الرحيل ،
  • كم من عزيزٍ أذلّ الموتُ مصرعه، وكانت على رأسهِ الراياتُ تخفقُ ، على قول الشاعر

كأسُ الفراق مرُّ المذاق ،

لكن عزائي أنه إجتاز نهر الحياة من ضفة الوجود الى ضفة الخلود

رحل الى الجنه لانها تشبهه

ألا ليت الزمان يعود يوماً لأرى أخوه الكبير ميساك وكنّا سوى من نفس الجيل تقريبا  وقد ذهب في مطلع السبعينبات مع أبيه في العشرين من عمره الى الغربة وعاد منها محمولا ،

ألا ليت الزمان يعود يوماً لأقبل يدي وجبين خالتي ماري أمه التي وافتها المنية ايضا قبل سنتين وقد ابعدني عنها الزمان والمكان بسبب ظروف خاصة ، ويقال ان البعد يسبب الجفاء

ألا ليت الزمان يعود يوماً  لأعتذر من شوغيق أخته وقد ابتعدت عنها أنا بكبريائي المراهق وهي التي كانت تأتي الى بيتنا لتعلّم ابني البكر اللغة الأرمنية دون مقابل بالرغم من االكلفة في الوقت والمصروف التي تحملّتها

هي ايضا بجوار ربها ، وقد فات الآوان على ندمي لأجاهرها به

عرفته شابا  يافعا سكوتا خجولا  نحيلا منزويا بنفسه عندما كنا نزوره أنا وزوجتي في إكليركية بكفيا معهد اللاهوت في ايام سكني الصيفي في بلدة ضهر الصوان ، فاذا بي بقفزة في الزمن تفوق الثلاثين سنة  أقف أمام قامة جليلة بلحية بيضاء طويلة تتدلّى بهيبة ووقار تذكرك فورا بصورة الأمير بشير الثاني الشهابي الكبير التي كانت تتصدر كتب التاريخ في صغرنا

في الفترة القصيرة التي تعرفت اليه مؤخرا  اكتشفت شخصية فذّة نشأت بتقديري من إرادة قوية وذكاء عميق ورأي مستقل بالإضافة الى جمال الروح التي تألق بها سيما عندما كنت تراه جالسا” على مقعد البيانو يعزف مقطوعات كلاسيكية او ترانيم روحية من تأليفه وتلحينه فتشعر بهالة السكينة والمهابة تلفّ الحضور وتعيد الى الوجوه لمعان العيون والى الشفاه البسمة والى القلوب الطمأنينة .

لو قيّض لي ان أعطي لهذا الشخص وصفا مقتضبا لقلت انه كجلمود صخر “وزنه قنطار” بحضوره حيثما حلّ  جعلت الأرض تحت قدميه عاجزةً عن حمله، فخبأته داخلها

ما يحزّ في نفسي هي تلك الواقعة التي لن أنساها في حياتي . ذلك أنه بالرغم من عدم إلتقاءنا  وانقطاعنا عن التواصل منذ اواخر الثمانينات حتى العام 2017 أي لأكثر من 25 سنة فانه كان يتابع أخباري ولو عن بعد اينما كان . وأعترف بأنني بالمقابل لم أعر اهتماما خاصا لأستدل اليه خلال هذه الفترة ظنّا مني ان الكاهن غير المتزوج يبتعد شيئا فشيئا عن أهله واقاربه ليكرّس وقته كاملا لكنيسته وللشؤون الرعاوية.

اما الواقعة التي أتحدث عنها فهي لقاءي به في الكاثولكية في انطلياس بناء لطلبي لأتعرف اليه لأول مرة كمطران بالإضافة الى رغبتي في التواصل معه بحكم القربة بعد ما سمعت عنه الكثير  إثر رجوعي الى لبنان في منتصف 2016 . إستقبلني بناء على موعد مسبق قي صالة كبيرة وباشرت انا الكلام لأعرفه عن نفسي وعن عائلتي  وعن عملي في لبنان والخارج . كان معظم الوقت مستمعا صاغيا اكثر مما كان متكلما”. كنا جالسين مقابل بعضنا بعضا حول طاولة كبيرة بدت مخصصة للإجتماعات الرسمية. وبالفعل أخذ اللقاء الطابع الرسمي ، ذلك  اننا كنا نتكلم بحذر وكأننا واضعين قفازات ناعمة نوعا ما لحرص كل منا على تجاوز السلبيات الماضية المتصلة بالتباعد العائلي لفترة طويلة . وفجأة قام الرجل عن كرسيه وتوجه بخطى ثابتة الى باب الصالة العريض وفتحه على مصراعيه ليوقف أحد الشبان صادف مروره أمامه . فسأله بصوته الجهوري : من بنى لنا جسر صوفر المديرج الشاهق الذي سهّل لنا الأرمن طريق العبور الى عنجر؟ فردّ  الشاب عليه تلقائيا” : أبن خالتك يا سيدنا. ومن ثمّ أغلق الباب وإلتفت إليّ قائلا”: أرأيت بأم العين كيف أتابع أنا أخبارك دوما مهما كنا متباعدين في أقاصي الأرض. ذهلت حقا وحسيّت بغصّة في حلقي لما سمعته وشاهدت للتوّ. ذلك أنه بدا لي وكأنه خلع كفوفه من يديه وأراد القول لي: اوقف هراءك …  كفى إختلاقك أعذار واهية . وعليه ضمّني الى صدره الواسع وقبلني مطولا وطلب الي التعرف الى عائلتي فردا فردا. وهذا ما حصل في الأسبوع التالي على مائدة عشاء في بيتي ضمّه وأسقف آخر تحلق حولهما اولادي للتعرف اليه بعدما اخبرتهم هذه الواقعة. وكم هم الآن حزانى لفقدانه ، ليس لكونه قريب عائليا  فقط بل لخسارة رجل من هذه النوعية.

صوره وصلواته مخبئه في هاتفي المحمول ، وستبقى في البومات العائلة للأجيال المقبلة.

أللهمّ نوّر  مضجعه ، وآنس وحشته فلا أحد وجب عليه البقاء وحيدا ، فأجعله من سكان جنتك ، برّد تربة قبره ، وطيّبها بالمسك  والبخور ، وإجعل الحرير فراشه حيث ينام حتى يوم القيامة مع امه وابوه واخته واخوه ، واجعل قبره روضة من رياض الجنة ومحجّة لنا نقصدها لما نحن فيه في هذاالزمن الردىء

بالمقابل أطلب منك يا ابن خالتي في عليائك بالقرب من الله عزّ وجلّ ان تصلي لنا بدورك وتطلب منه رجاء على نيتنا  إن تكون هذه السنة  اقصر سنة لأن جدّ الوضع لا يُطاق  وكم عدد أولئك الذين فارقوا الحياة وحيدين في زمن كورونا

5 شباط 2021

 

Share This