المفكر والاعلامي غسان الشامي مهنئاً عيد الثلاثين لإستقلال جمهورية أرتساخ
أرتساخ ..السلام المؤجل
غسان الشامي
ما من قارىء عاقل إلاّ ويرى أن قضية أرتساخ هي ضحية للأطماع الدولية ، فعندما تتغوَّل الدول الكبرى ،تصبح الشعوب الصغيرة المسالمة المحبة للحياة هدفاً للقتل والتهجير.
هذه سُنّة التاريخ على ما يبدو، لكن يظهر أن الأرمن عموماً وفي أرتساخ خصوصاً قد طالهم ظلم التاريخ هذا حتى الإبادة ، ومن سوء حظهم أن جَاوَرتهُم الجغرافيا مع البرابرة ، وأقصد بذلك سلطنات العثمانيين والترك وأتباعهم عبر التاريخ، الترك الذين أبادوا أغلب الحضارات التي اجتاحوها بانكشاريتهم المعهودة ، ولم يقدموا للإنسانية منجزاً حضارياً واحداً، ولو لم يتوقفوا عند ڤيينا لقضوا على مستقبل أوروبا، ونشروا فيها ” ثقافة الخازوق” وللأسف حتى الساعة لم يتعلّم الأوروبيون من دروس الماضي.
ظهرت قضية أرتساخ على خارطة العالم المعاصر لتعبّر عن شعب صغير في مكان ناء وهادىء يسعى للعيش بكرامة على أرض آبائه وأجداده وقديسيه ، قاتلَ طويلاً وقدّم خيرة أبنائه ليحافظ على أرضه ولغته وتراثه، واستطاع خلال سنوات أن يقدّم نموذجاً للشعوب الساعية إلى الحرية والحياة، لكن لعنة الجغرافيا وحِمْلَ التاريخ البربري التركي الثقيل ، وفقدان السيادة لأزمنة طويلة، إضافة إلى أن العالم لا يفكر بحماية المقهورين والمظلومين، بل بالتعاون مع القتلة والطغاة، وهذا ما أدى إلى حرب ظالمة أفقدت أهل أرتساخ عاصمتهم التاريخية شوشي بكاتدرائيتها الرائعة ومواقع أخرى هامة، وخسارة شهداء من المقاتلين والمدنيين العزّل.
جمر الحرب القادمة ما يزال تحت الرماد ، وما يزال المسالمون في أرتساخ مشاريع ضحايا في الصراع الإقليمي- الدولي ، وليس لهم سوى قوتهم الخاصة ووحدتهم ووقوف الأرمن في أرجاء العالم صفاً واحداً، مع أصدقاء لهم من شعوب أخرى تنشد مثلهم الحرية والسلام.
في السياسة تقع الأخطاء، وفي مقاربة ما حصل في أرتساخ هناك أخطاء سياسية ينبغي قراءتها جيداً والاستفادة من دروسها حتى لا يكرر التاريخ نفسه.
ثلاثون عاماً على استقلال أرتساخ، هذا الاستقلال الذي يجب أن يترعرع وينمو تحت أعلام الحرية والتقدم ، وهذا لن يحصل إلا باستعادة الحقوق ، فمن دون استعادة أهل أرتساخ لحقوقهم لا تقدم ولا سلام في تلك المنطقة الجميلة من العالم التي تعود للأرمن وأبنائهم ورمّانهم وقدّيسيهم وشهدائهم…
بغير ذلك يبقى السلام مؤجلاً.

