الأرمن في مهب قلب المناخ الانتخابيّ
11-03-2022 | 07:51 المصدر: النهار – كريس جبّور
كثرت في الآونة الأخيرة التحاليل السياسية والإحصاءات الانتخابية، محاولين إظهار الواقع الشعبي لكافة القوى السياسية قبيل الانتخابات النيابية المرتقبة في ١٥ أيّار المقبل. سرعان ما أصبحت مادة للمزايدات الشعبوية والابتزاز السياسي لمحاولة قلب مناخ الرأي العام اللبناني وإدخال اللبنانيين في أوهام جديدة قد تدفعهم إلى اتّخاذ قرارات يندمون عليها لاحقًا.
وبحجّة أنّ هجرة الأرمن من لبنان قد ازدادت في السنوات القليلة الماضية، أصبح الأرمن قلب الأخبار الانتخابية، وبدأت الصحف تتناول “أنّ الأرمن قد تحوّلوا من بيضة القبّان في القانون الأكثري إلى عبء في النسبيّ”. وكأنّ الطائفة الأرمنية هي الوحيدة التي شهدت موجة هجرة بعد الأزمة الاقتصادية والمالية التي ضربت لبنان…
يرتكز الوجود الأرمنيّ في ثلاث دوائر: في المتن (مقعد للأرمن الأرثوذكس)، في زحلة (مقعد للأرمن الأرثوذكس)، في بيروت الأولى (ثلاثة مقاعد للأرمن الأرثوذكس ومقعد للأرمن الكاثوليك). علمًا أنّ بين العامين ١٩٧٢ و٢٠٠٠ تولّى أرمنيًا المقعد الإنجيليّ في دائرة بيروت الثانية أيضًا.
تاريخيًا، يشكّل حزب الطاشناق القوة الأكثر تمثيلاً على الساحة الأرمنية. لكنّ فوز النائب إدي دميرجيان في زحلة بـ٧٧ صوتًا فقط في الانتخابات الأخيرة، فتح شهية الكثيرين للترشح في الانتخابات المقبلة لربّما يحالفهم الحظ فيُصدمون بنتيجتها ويدخلون البرلمان كسوّاحٍ ربحوا البطاقات بالصدفة ليكتشفوا بعدها أنّ البطاقة لا تكفي وحدها فـ”المصاريف” الأخرى عديدة ومكلفة. حينها سيعلمون أنّ المعترك السياسي ليست نزهة بل حمل كبير يتطلّب مسؤولية كبيرة.
قد يشكّل هؤلاء المندفعون لكسب مقاعد نيابية بالصدفة، خطرًا على مرشّحي الأحزاب عامةً، وفي الوسط الأرمني على حزب الطاشناق خاصّة، كون القانون الانتخابي المعتمد لم يضع ضوابط في هذا الخصوص، فلم يحدّد حدّاً أدنى من الأصوات وبفعل حسابات الحواصل قد يسقط مرشحون ذوو صفة تمثيلية كبيرة على حساب نواب “الصدفة”. لكن من الواضح جدًّا أنّ حزب الطاشناق، يتقن اللعبة الانتخابية بذكاء وقد صرّح أمينه العام النائب هاغوب بقرادونيان، منذ البداية، أنّ القانون الانتخابي الحاليّ يفرض على الجميع إجراء الحسابات الدقيقة قبل نسج التحالفات. وما إن أنهى تصريحه حتّى بدأت الانتقادات، وكأنّ الشعب اللبناني يفضّل وقوع الأحزاب الأكثر تمثيلاً ضحية ثغرات القانون الانتخابي لحساب تمثيل نواب “لعبة الحواصل” في البرلمان.
كذلك، طبيعة القانون النسبي جعلت من الصعب لتحالف انتخابي معيّن الفوز بكامل مقاعد الدائرة وتأمين كامل الحواصل (مع بعض الاستثناءات)، خاصة إذا كانت هناك عدّة مقاعد من نفس الطائفة كحالة دائرة بيروت الأولى حيث ثلاثة مقاعد للأرمن الأرثوذكس مثلاً. فلماذا تصرّ النائب بوليت ياغوبيان على شيطنة حزب الطاشناق وبالأخص قبل الانتخابات وفي إطلالاتها التلفزيونية الأخيرة؟ وفي قراءة سريعة لانتخابات ٢٠١٨، رشّح حزب الطاشناق في بيروت مرشّح عن المقعد الأرمن الكاثوليك ومرشحيْن عن المقعد الأرمن الأرثوذكس، فيما تُرك المقعد الثالث لحزب الهنشاك المدعوم أنذاك من تيّار المستقبل، إفساحًا للمجال أمام التنافس الإيجابي. أمّا السيّدة بوليت ففازت بهذا المقعد الثالث ولم تحصل سوى على عدد قليل من أصوات أبناء الطائفة الأرمنية. بالتالي لا منافسة، لا من قريب ولا من بعيد. فلماذا الإصرار على الشيطنة وتحويل الانتخابات من منافسة شريفة إلى حفلة أكاذيب وتضليل؟
بالرغم من كل المحاولات لتشويه صورة حزب الطاشناق، وبالرغم من أنّه خسر في بعض الدورات الانتخابية عددًا كبيرًا من المقاعد النيابية حتّى وصل إلى نائبيْن في دورتيْ ٢٠٠٥ و٢٠٠٩ ليعود ويحصل على ثلاثة نوّاب في دورة ٢٠١۸ الأخيرة، لكنّه ظلّ حزب الطاشناق الأكثر تمثيلاً وخدمةً لمجتمعه عبر الجمعيات التي يرعاها، إن كان جمعية الكشاف الأرمني والنوادي الرياضية والثقافية التي تخلق بيئة نظيفة للشباب، أو دعمه للمؤسسات التربوية لجعل البعض منها شبه مجانية وبالتالي لعدم حرمان أبنائه من التعليم، وصولاً إلى جمعية صليب إغاثة الأرمن التي تكون جاهزة دائمًا للمساعدة في الظروف الصعبة.
إذًا، بالرغم من كلّ التوقّعات، يبقى حزب الطاشناق الأقوى على الساحة الأرمنية، بانتظار تبلور التحالفات وصولاً إلى الانتخابات ونتائجها في الشهرين المقبلين. فهل سيضرّ مهبّ المناخ الانتخابي بالتمثيل الأرمني في البرلمان؟

