الإبادة الجماعية ودموع التماسيح

Friday, 22-Apr-2022 06:43
محلي
ما هي الإبادة الجماعية؟ «الإبادة الجماعية» مصطلح قانوني أممي، صاغه المحامي البولندي رافائيل ليمكين عام 1944، في وصف الجرائم المتمادية بحق شعب أو فئة بشرية من قِبل شعب آخر أو فئة بشرية أخرى. وتبنّته الأمم المتّحدة في ميثاقها الرامي لمنع وقوع جرائم الإبادة أو معاقبتها، وذلك في التاسع من كانون الأول 1948. في معرض ردّه على مذيع قناة الـ»CBS» كوينسي هاو، حول اهتمامه بموضوع المجازر وجرائم الإبادة الجماعية، قال رافائيل ليمكين: «الإبادة الجماعية» حصلت بحقّ الأرمن سنة 1915، ولكن منفّذيها الأتراك لم يُعاقبوا، إذ لم تكن هناك قوانين خاصّة تردع أو تعاقب هذه الأنواع من الجرائم، ولهذا السبب عادت وتكرّرت في اكثر من مكان وزمان.

ماذا حصل سنة 1915؟
أرادت تركيا- في غمرة أحداث الحرب العالمية الأولى وخشية من استقلال الأرمن على غرار ما حصل لشعوب البلقان – أن تتخلّص من الشعب الأرمني عن طريق اقتلاعه من أرضه وإبادته في صحراء دير الزور السورية الخاضعة آنذاك للأمبراطورية العثمانية. هذا الفعل الإجرامي الجهنّمي كان من هندسة وتنفيذ حزب الإتّحاد والترقّي الحاكم في تركيا بقيادة طلعت باشا وزير الداخلية وأنور باشا وزير الحربية.

كانت الخطة تقضي أولاً بالتخلّص من القيادات الأرمنية، من سياسيين ومفكرين، وهذا ما حصل في 24 نيسان 1915، إذ اعتُقل المئات منهم وقُتلوا في المعتقلات بصورة وحشية.

وفي 27 أيار 1915 صدر قانون التهجير (السّوق وإعادة الإسكان) في الجريدة الرسمية العثمانية، والذي قضى باقتلاع أكثر من مليوني أرمني من أرضهم وسوقهم إلى صحراء دير الزور وبمصادرة جميع ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة. وقد قُتل حوالى مليون ونصف المليون منهم على الطريق، عن طريق القتل المباشر أو الجوع والعطش أو الأوبئة.

وفي 27 أيلول 1915 صدر قانون آخر عُرف بإسم «الأموال والأملاك المتروكة» والذي قضى بالمصادرة النهائية للأملاك الأرمنية وتوزيعها على الأتراك واستعمال الأموال المصادرة لتمويل التكاليف الحربية للجيش العثماني.

بالموازاة، ارتكب حلفاء تركيا في القوقاز (الآذريون التتار) مجازر بحق الأرمن الشرقيين، وكانت أكبرها (مجزرة شوشي في كاراباخ آذار 1920) راح ضحيتها زهاء 20 ألف أرمني.

عواقب الحرب العالمية الأولى
بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى سنة 1918 بخسارة الدولة العثمانية واستسلامها، استقلّت أرمينيا الشرقية الواقعة تحت السيطرة الروسية بجهود وتضحيات من نجوا من المصاعب والأهوال. أما في تركيا، فقد تمّ اعتقال قادة الإتحاد والترقّي كمرتكبي جرائم حرب بحق الإنسانية، كما تمّت محاكمتهم وإدانتهم وحُكم عليهم بالإعدام في تمّوز 1919. ولكنّ الحلفاء بقيادة بريطانيا وفرنسا آثروا إطلاق سراح هؤلاء المجرمين وبادلوهم بأسرى من جنودهم.

وفي آب 1920 عُقد مؤتمر»سيفر» في فرنسا، والذي قضى بإنشاء دولة أرمينيا شرق الأناضول على جزء من أرمينيا التاريخية (أرمينيا الغربية) تعويضاً عن معاناتهم واسترداداً لحقوقهم المسلوبة.

ولكن، مرّة أخرى تدخّلت الأقدار عكس مصالح الأرمن. ففي روسيا استولى البلاشفة على الحكم وبسطوا سيطرتهم على القوقاز ومن ضمنها أرمينيا الشرقية ووصلوا إلى حدود تركيا.

هنا، ارتأى الحلفاء استرضاء الزعيم الجديد في تركيا مصطفى كمال ودعمه في مواجهة الشيوعيين، فتمّ إبدال معاهدة «سيفر» بمعاهدة «لوزان» في تموز 1923، والتي رسمت الحدود الحالية للجمهورية التركية وريثة الدولة العثمانية. أمّا الشيوعيون، فتراكضوا هم أيضاً لمراضاة الأتراك، فتنازلوا عن أجزاء من أرمينيا الشرقية لصالح تركيا وأذربيجان، منها مقاطعة كاراباخ ذي الغالبية الأرمنية. فكانت مصالح الدول الكبرى أهم من أرواح الأرمن، وكان النفط أغلى من دمائهم حسب الوزير ونستون تشرشل (رئيس الحكومة البريطاني المستقبلي)، فذرف الجميع دموع التماسيح على مآسي الشعب الأرمني، ومضوا في سبيلهم. «فلو عوقبت تركيا آنذاك لما تجرّأت أية دولة على تكرار تلك الجرائم الوحشية». صرّح رافائيل ليمكين سنة 1944.

القضية الأرمنية
مع احتلال أرمينيا الغربية من قِبل تركيا الكمالية وأرمينيا الشرقية من قِبل روسيا البولشيفية سنة 1920 وتخلّي الحلفاء عن الأرمن والإكتفاء بتعابير الأسف والتأييد اللفظي، انشطر الوجود الأرمني إلى نصفين: حوالى مليون أرمني داخل حدود جمهورية أرمينيا السوفياتية، وحوالى نصف مليون أرمني- ممن نجوا من الإبادة الإرمنية – مشتتين في جميع أنحاء العالم.

وبالرغم من الضربات المتلاحقة والقاصمة التي تلقاّها هذا الشعب في بداية القرن العشرين، فإنّه أعاد تنظيم صفوفه وبلسم جراحه وراح يناضل على شتّى الساحات والمنابر الدولية، للمطالبة بحقوقه. فأعاد إحياء القضيّة الأرمنية وخاض معركة الإعتراف بالإبادة والقضية الأرمنية من قِبل حكومات ودول العالم، وكانت آخرها اعتراف الرئيس الأميركي جو بايدن بالإبادة الأرمنية. ولكن هذه الإعترافات لم تتخطّ حدود التأييد اللفظي والمعنوي.

ويبقى المجرم مجرماً والتمساح تمساحاً…
ومع انهيار الإتحاد السوفياتي عاد الأمل للشعب الأرمني في جمهورية أرمينيا وفي مقاطعة كاراباخ. وقد انسلخت هذه الأخيرة عن أذربيجان وأعلنت استقلالها بعد صراع دموي ومرير كلّف آلاف الشهداء الأبطال الذين أفشلوا محاولات تركيا وأذربيجان من ارتكاب إبادة ثانية وإفراغ كاراباخ من أهلها وأبنائها وأعادوا للشعب الأرمني عنفوانه. وقد ظلّت كاراباخ غصّة في عيون الأتراك والآذريين، وراحوا يتحيّنون الفرصة لإخضاعها.مجدداً. ولاحت لهم هذه الفرصة بوصول فريق قليل الخبرة إلى الحكم في أرمينيا بقيادة نيكول باشينيان. وأدّت رعونة هذا الفريق إلى عدوان الأيام الـ44 من قِبل أذربيجان وتركيا ابتداء من 27 أيلول وحتى 10 تشرين الثاني 2020. واكتفى العالم بمشاهدة الحرب غير المتكافئة، وبالدعوة إلى ضبط النفس، في حين تهجّر عدد كبير من الأرمن مجدداً، وسقط جزء كبير من كاراباخ تحت الإحتلال الآذري، وأصبحت أجزاء من أرمينيا نفسها تحت الخطر الآذري المباشر.

عيد بأية حال…؟
تحلّ الذكرى الـ107 للإبادة الأرمنية في 24 نيسان من هذه السنة ولا تزال تركيا ترفض الإعتراف بالإبادة الأرمنية وترفض إعادة ما سلبته من أراضٍ وممتلكات خاصة وأوقاف، لا بل تحاول وحليفتها أذربيجان إجبار أرمينيا على توقيع اتفاقيات خنوع وخضوع، والعالم يقف متفرجاً كأنّه لم يتغيّر شيء. المجرم يتابع مخطّطه والتماسيح لا تزال تذرف الدموع…

Share This