قـصـة أرمـنـيـة عـاديـة أبـنـاء الأرمـنـيـات الـمـرمّـلات جـيـل أولادٍ بـدون كـنـيـة (بـمـنـاسـبـة الـذكـرى الـمـئـة و الـخـامـسـة عـشـر لـمـيـلاد غـازار بـن خـاتـون)

رافـي مـلـكـونـيـان

مـن الـقـطـيـع الـكـبـيـر فـي الـحـظـيـرة
بـقـي فـحـلٌ قـويٌ شـجـاع وحـيـد
تـانـيـيـل واروجـان
مـن قـصـيـدة “رسـالـة شـوق”

فـي بـدايـة الـقـرن الـعـشـريـن، بـل و فـي الـعـقـود الـثـمـانـيـة مـنـه، و فـي مـديـنـة الـقـامـشـلـي، مـسـقـط رأسـي فـي شـمـال شـرقـي سـوريـة، كـنـت الـتـقـي دؤمـاً بـالـعـديـد مـن الـرجـال الأرمـن مـمّـن لا كـنـيـة لـهـم و الـذيـن كـانـوا يُـعـرفـون بـاسـمـاء امّـهـاتـهـم الـمُـرمّـلات، مـثـل آرام بـن زارو، هـوفـانـيـس بـن كـريـمـة، لـيـفـون بـن سـارة  و كـثـيـرون آخـرون، مـن أبـناء الأرامـل.

هـؤلاء صـاروا آبـاءً، و أنـجـبـوا اولاداً، و الـكـثـيـر من أولادهـم كـانـوا مـن أصـدقـائـي أو مـن تـلامـذة مـدرسـتـي.  أمّـا فـي الـسـتـيـنـات و السـبـعـيـنـات مـن الـقـرن الـمـاضـي،عـنـدمـا كـنّـا أطـفـالاً صـغـاراً، لـم يـخـطـربـبـالـنـا يـومـاً أن نـبـحـث و نـكـتـشـف، لـمـاذا عُـرف هـؤلاء بـأسـمـاء أمّـهـاتـهـم و لـيـس بـأسـمـاء آبـائـهـم أو أجـدادهـم، مـثـل تـافـيـتـيـان، بـارسـامـيـان، مـارديـكـيـان أو مـانـوكـيـان.

أذكـر كـالـضـبـاب أنـنـي تـعـرّفـتُ عـلـى قـصَـص الـبـعـض مـنـهـم و لـكـن بـدون مـعـرفـة الـتـفـاصـيـل.  كـان هـؤلاء الـمـعـروفـون بـأسـمـاء اُمّـهـاتـهـم مُـقِـلّـون فـي الـكلام وعـاجـزون عـن الـتـحـدُّث عـن سـبـب الـتـكـنّـي بـإسـم الـوالـدة فـقـط و لـيـس بـإسـم الـعـائـلـة.

إلّا أنـني عـارفٌ مـعـرفـة تـامّـة بـقـصـة طـفـولـة واحـدٍ مـنـهـم.  و تـلـك الـقـصـة قـد أحـزنـتـنـي و قـضّـت مـضـجـعـي عـشـرات السـنـيـن بـل طـوال عـمـري.  سـأقـصّ لـكـم بـإقـتـضـاب عـن طـفـولـة ولـدٍ أرمـنـيٍ صـغـيـركـان إسـمـه غـازار، مـن الّـذيـن لـم تـكـن لـهـم كـنـيـة عـاديـة، بـل هـو أيـضـاً عُـرِف بـإسـم والـدتـه، غـازار بـن خـاتـون.

قـصـة غـازار الـصـغـيـر تـبـدأ قـبـل ولادتـه بـوقـت طـويـل، فـي أرمـيـنـيـا الـغـربـيـة أو مـا يُـعـرف بـإسـم هـضـبـة أرمـيـنـيـا.  كـانـت قـريـة بَـريـعـي مـثـل قـريـة جُـوَيـز، مـسكـونـة بـالأرمـن مـنـذ آلاف الـسـنـيـن تـابـعـة لـبـلـدة زوخ الـتي كـانـت بـدورهـا تـابـعـة لـمـديـنـة سـغـيـرت، مـن مـدن ولايـة بـتـلـيـس فـي أرمـيـنـيـا الـغـربـيـة.  فـي مـنـتـصـف الـقـرن الـتـاسع عـشـر و فـي قـريـة بَـريـعـي الـوادعـة وُلِـد و عـاش و تُـوُفّـي مِـلكـون، جـدّ غـازار، و كـان قـد أنـجـب أربـعـة أولاد.  لا عـلـم لـدي عـن كـنـيـة مِـلكـون و لا عـن أسـمـاء والـديـه.

كـلُّ مـا أعـلـمـه، أنّ مِـلكـون كـان لـه أخَـوان إثـنـان، أوهـان و روبـيـن.  يُـرزق كـلٌّ مـن مِـلكـون، و أوهـان و روبـيـن بـأولادٍ و أحـفـاد.  يُـنـجـبُ مـلـكـون أوّل أولادِه سـركـيـس و ثـلاثـة أولاد آخـريـن و يـنـجـبُ اوهـان إبـنـه الأوّل سـيـمـون، أمّـا الأخ الـثـالـث روبـيـن، فـيُـرزق بـولـدٍ يـسـمّـيـه هـاكـوب.  هـؤلاء الأولاد يـتـرعـرعـون فـي الـقريـة الـهـادئـة، يـكـبـرون و يـتـزوّجـون، بِـأمـل أن يـُؤلّـفـوا عـائـلات سـعـيـدة و بـدورهـم يـنـجـبـون أطـفـالاً.  يـتـزوّجُ سـركـيـس مـع خـاتـون ويـنـجـب غـازار و ديـكـران، و يـتـزوّج سـيـمـون مـع خـانـه و يـنـجـب أوهـان و ثـلاثـة إخـوةٍ آخـريـن، أمّـا هـاكـوب، فـيـربـط مـصـيـره مـع فـارتـوه و يـنـجـب كـارابـيـت.

غـازار بـن سـركـيـس، أوهـان بـن سـيـمـون و كـارابـيـت بـن هـاكـوب يـنـتـمـون إلـى جـيـل الأولاد الّـذيـن يـتـيـتّـم مـئـات الآلاف مـنـهـم مـنـذ نـعـومـة أظـفـارهـم و يـعـيـشـون بـلا آبـاءٍ، فـيُـعـرَفـون بـأسمـاء أمّـهـاتـهـم، غـازار بـن خـاتـون، أوهـان بـن خـانـه و كـارابـيـت بـن فـارتـوه.  مـئـات الآلاف مـن الأطـفـال فـقـدوا آبـائـهـم، الـذيـن سـيـقـوا إلـى الـجـنـديّـة الـعـثـمـانـيّـة و لـم يـعُـد أكـثـرهـم إلـى وطـنـهـم و ديـارهـم أبـداً.  كـان سـيـمـون و هـاكـوب مـن الـقـلائـل الّـذيـن يـحـالـفـهـم الـحـظُّ، فـيـعـودان بمـعـجـزة إلـى قـريـتـهـمـا، لـكـنّـهـمـا لا يـنـعـمـان بـحـيـات الـزوجـيّـة طـويـلاً.

و حـسـب أحـاديـث بـعـض الأقـارب، كـمـا سـبـق و قـلـنـا أنْ مـلـكـون، قـد أنـجـب أربـعـة أبـنـاءٍ.  كـان سـركـيـس الـبـكـرَ فـيـهـم، ثـمّ أبـراهـام، ثـمّ مـارديـروس.  أمّـا الـرابـع و هـو أصـغـرهـم، فـاسـمـه غـيـر مـعـروف لـديـنـا.

لـم أسـتـطـع أن أسـتـقـي أيـة مـعـلـومـات عـن طـروف و تـاريـخ وفـاة مِـلكـون. لـكـنـنـي عـلـمـت، أنّ أبـنـه الـبـكـر سـركـيـس قـد تـزوّج مـن خـاتـون، الـفـتـاة الـجـمـيـلـة مـن ضـيـعـتـه ذات الـحُـسْـن الـفـتّـان و أنـجـبَ إبـنـه الأوّل غـازار عـام 1907 و إبـنـه الـثـانـي، ديـكـران، بـعـد أقـلّ مـن سـنـتـيـن.

عـنـدمـا يُـسـا قُ سـركـيـس، والـد الـطـفـلـيـن الـصـغـيـريـن، إلـى الـخـدمـة الإلـزامـيـة فـي الـجـيـش الـعـثـمـانـي، كـان ولـده الأوّل غـازار فـي السـنـة الـثـالـثـة مـن الـعـمـر و طـفـلـه الـثـانـي ديـكـران تـحـت الـثـانـيـة.  يـخـدم سـركـيـس عـدّة أعـوام فـي الـجـيـش الـعـثـمـانـي، و عـلى الأغـلـب فـي صـفـوف الـقـوات الـتـركـيّـة الـمـحـتـشـدة عـلـى مـشـارف أرمـيـنـيـا الـشـرقـيـة، أي الإمـبـراطـوريـة الـروسـيّـة، حـيـث يـعـمـل فـي حـفـر الـخـنـادق و بـنـاء الـدشـم و الـثـكـنـات الـعـسـكـريـة، الـتـي كـانـت سـتُـسـتَـخـدَم لاحـقـاً فـي عـرقـلـة تـقـدّم مـحـتَـمَـل لـلـقـوّات الـروسـيّة.  و فـي نـهـايـة الـخـدمـة الإلـزامـيّـة، يـتـعـرّض لـلـنـهـايـة الـمـشـؤومـة الـتـي يـتـعـرّض لـهـا عـشـرات و عـشـرات الألاف مـن الـشـبـاب الأرمـن الـمـجـنّـديـن، و الّـذيـن، بـعـد إنـهـاء خـدمـتـهـم الـعـسـكـريـة فـي الـجـيـش الـتـركـي، لـم يـعـودوا إـى بـيـوتـهـم  و أهـالـيـهـم. إذ أنّ الـقـيـادة الـعـسـكـريـة الـتـركـيـة كـانـت تحـكـم عـلـيـهـم بـالـمـوت، فـقـط لأنّـهـم، كـانـوا يـنـتـمـون إلى الـشـعـب الأرمـنـي.  لـم يـكُـن حـظّ سـركـيـس أفـضـل مـن أقـرانـه مـن الـشـبـاب الأرمـن، الـذّيـن سـيـقـوا عـنـوة إلـى الـجـنـديـة الـتـركـيـة.  فـبـعـد الـخـدمـة الـعـسـكـريـة يُـعـاقـب سـركـيـس بـالإعـدام.  و هـل كـان ذلـك إعـدامـاً؟ إعـدام لـسـبـبٍ مـا؟ لا.  لـم يـكـن قـتـل المـواطـن سـركـيـس إعـدامـاُ. لـقـد كـان جـريـمـة قـتـل عـنـصـريـة، بـل إبـادة عـنـصـريـة، بـدأت مـنـذ الـعـقـد الأخـير مـن الـقـرن الـتـاسـع عـشـر و إمـتـدّت حـتى الربع الأوّل مـن الـقـرن الـعـشـريـن، أو بـالأحرى، امـتـدّت حـتّـى أبـادة الـشـعـب الأرمـنـي ومـحـوِهِ مـن أرض مـنـشـأِه.

نـبـأ مـقـتـل سـركـيـس يـصـل فـي وقـتٍ قـصـير الـى مـسـقـط رأسـه، قـريـة بَـريـعـي، فـي ولايـة بِـيتــلـيـس.  و فـور إنـتـشـار هـذا الـخـبـر، و سـركـيـس أكـبـر إخـوَتِـه، يـبـقـى الإخـوة الـيـافـعـون و ثـلاثـتـهـم تـحـت الـثـامـنـة عـشـر عـامـاً مـن الـعـمـر، زوجـتـه الـشـابّـة خـاتـون، و طـفـلاه الـصـغـيـران غـازار و الآخـر، بـدون حـمـايـة.  كـانـت الـعـائـلـة تـعـلـم، أنّ الإخـوة الـثـلاثـة أبـراهـام و مـارديـروس و الـثـالث الّـذي لـم يـصـلـنـا اسـمُـه، كـانـوا عـاجـزيـن عـن حـمـايـة أفـراد الـعـائـلـة لِـصِـغـر سـنِّـهـم و لأنّ الـحـكـومـة الـتـركـيّـة كـانـت تـمـنـع الأرمـن و الـسـريـان و الأشـوريـيـن و الـيـونـان مـن إقـتـنـاء الـسـلاح مـنـذ مِـئـات الـسـنـيـن و تـسـمـح لـلآخـريـن بِـحـمـلـه أنّـا كـانـوا.

يـبـدأ بـحـر الحـزن يـتـدفّـق عـلـى أفـراد الـبـيـت الـعُـزّل و الـمـأسـاة تـطـغـى عـلـى حـيـاة الـعـائـلـه ذات الـنـسـب الـعـريـق.  إذ أنّـهـم يـعـلـمـون أنّ كـلّـهـم قـد أضـحـوا لـقـمـة سـائـغـة أمـام الـقـرى الـكـرديّـة الـمـجـاورة الـمـتـحـفّـزة  و الـمدعـومـة مـن الـسـلـطـات الـتـركـيّـة الـعـلـيـا و الـمـحـلّـيـة.  إذ أنّ أغـلـب مـقـاتـلـي هـذه الـقـرى كـانـوا دائـمـاً عـلـى أُهـبـة الإسـتـعـداد لإقـتـنـاص أيّـة فـرصـة لـنـهـب مـمـتـلـكـات الـعـائـلات الأرمـنـيّـة و إبـادة “الـكُـفّـار”.

أولـى إشـارات الإضـطـهـاد كـانـت إسـتـعـبـاد خـاتـون و إرغـامـهـا عـلى الـعـمـل الـشـاق فـي صـالـة حـريـم الآغـا و إسـطـبـلـه في بـلـدة زوخ الـقـريـبـة الـتـابعـة لـمـديـنـة سـغـيرت.  كـان بـعـض الـرجـال يـإتـون و يـأمـرون خـاتـون بـالـذهـاب كـلّ يـوم الـى مـنـزل رئـيـس عـشـيـرة الأكـراد الـمـنـتـشـريـن فـي الـمـنـطـقـة، لِـغـسـل الـثـيـاب، تـنـظـيـف الـحـظـيـرة و أداء أعـمـالٍ أُخـرى.  كـانـت خـاتـون تـعـمـل سـاعـات طـويـلـة مـن الـنـهـار وابـنـاهـا الـصـغـيران فـي انـتـظارهـا.  مـن بـيـن كـلِّ الـسـاكـنـيـن فـي مـنـزل الآغـا، كـانـت هـنـاك امرأة واحـدة فـقـط تـعـطـف عـلـى خـاتـون و تـتـفـهّـم مـصـاعـبَـهـا، كـان اسـمـهـا فـاطـمـة، و هـي والـدة إحـدى نـسـاء الـزعـيـم.  غـالـبـاً مـا كـانـت فـاطـمـة تـطـلـق سـراح الأمِّ الـشـابّـة، و تـرسـلـهـا إلـى بـيـتـهـا لـلِّـحـاق بـطـفـلـيـهـا و الإعـتـنـاء بـهـمـا.  كـان سـكّـان مـنـزل الـزعـيـم يـجـبـرون خـاتـون عـلـى أداء كـلّ الأعـمـال، مـا عـدا طـبـخ الـطـعـام و حـلـب الـمـاشيـة، إذ أنّ نـسـاء الآغـا كـنّ يـمـنـعـنـهـا مـن مـسِّ مـا يُـؤكـَـل، لأنّـهـا كـانـت تُـعـتـبـر “نـجـسـة” أي قـذرة مـن الـنـاحـيـة الـديـنـيـة.

كـانـت خـاتـون، وهـي الآن أكـبـر أعـضـاء الـعـائـلـة، قـد أضـحـت بـمـثـابـة والـدة الـجـمـيـع.  فـفـي الـسـاعـات الـمـتـبـقّـة مـن الـمـسـاء، تـعـتـنـي بـطـفـلـيـهـا، تـربّـي مـاشـية الـعـائـلـة، تُـحـضّـر مـؤونـة الـشـتـاء، و فـي الـصـبـاح، تُـجـهّـز الـقـوت الـيـومـيّ لإخـوة سـركـيـس الـثـلاثـة، تُـرسـلـهـم إلـى خـارج الـمـنـزل و تُـصِـرّ عـلى إبـقـائـهـم فـي الـحـقـل أطـول مـدّة مـمـكـنـة، لـلـبـقـاء بـعـيـداً عـن أعـيـن رجـال الـعـشـائـر.  لـيـس هـذا و حـسـب، بـل تـبـدأُ  بـتـدريـب طـفـلـهـا غـازار الـصـغـير كـي يـرعـى أخـاه الأصـغـر ديـكـران، عـنـدمـا تـكـون هـي غـائـبـة عـن الـمـنـزل، مـنـشـغـلـة بـالـخـدمـة فـي صـالـة حـريـم الآغـا.  كـانـت خـاتـون تُـحَـضٍّـر كـوبـاً مـن الـمـاء و آخـر مـن الـحـلـيـب و تُـعـلّـم غـازار أن يـقـدِّمـهـمـا لأخـيـه إذا شـعـر الأخ الأصـغـر بـالـعـطـش. يـنـجـح غـازار، و الـذي كـان هـو نـفـسُـهُ فـي أشـدِّ الـحـاجـة لـمـن يـرعـاه، يـنـجـح بأُعـجـوبـة أن يـعـتـنـي بِـأخـيـه الـصـغـيـر زمـنـاً.

فـي أحـد الأيّـام، يُـثْـقِـل أهـل الـدار كـاهـل خـاتـون بـأعـبـاءٍ إضـافـيّـة، و الـتـي تـسـتـمـرّ حـتّـى وقـتٍ مـتـأخّـرٍ مـن الـمـسـاء.  و لـحُـسـن حـظِّـهـا تـتـدخّـل فـاطـمـة هـذه الـمـرّة أيـضـاً و تـرسـلُ خـاتـون لـتـصِـلَ إلـى أطـفـالـهـا.  عـنـدمـا تـدخـل خـاتـون مـنـزلـهـا، تـسـارع لـتـرى أولادهـا، تـجـد نـفـسـهـا أمـام مـشـهـد رهـيـب: ولـدهـا الأصـغـر مـلـقـىً عـلـى الأرض جـثّـة هـامـدة و كـوب الـحـلـيـب مـلـقـى عـلـى الأرض.  تـحـاول الأمّ الـثـكـلـى أن تـعـيـد الـنَـفَـس إلـى الـطـفـل الـرضـيـع أو تُـسـقِـيـه مـن كـوب الـمـاء، و لـكـنّ مـجـهـودهـا يـذهـب سـدىً.  كـان الـولـد قـد لـفـظ أنـفـاسـه الأخـيـرة عـطـشـاً.

فـي صـباح الـيـوم الـتـالـي، عـنـد الـفـجـر، تـقـوم خـاتـون بـاكـراً و تـجـمـع الإخـوة الـثـلاثـة، أُخـتُـهـا خـانـم و زوج أخـتـهـا تـانـيـيـل،  فـيـحـفـروا لـحـداَ ً صـغـيـراً و يـوارون الـجـسـدَ الـصـغـيـر، عـلـى أرض ضـيـعـة بَـريـعـي، فـي ركـنٍ نـاءٍ مـن فـنـاء الـبـيـت الـواسـعـة، تـحـت ظـلال شـجـرة الـتـوت الـقـديـمـة، بـلا طـقـوس أو صـلـوات، لأنّ الـسـفـر إلـى الـكـنـيـسـة فـي الـقـريـة الأرمـنـية الـبـعـيـدة و المـرور بـجـانـب قـرى مـعـاديـة لإسـتـدعـاء الـكـاهـن لـكـان مـغـامـرة خـطـيرة لأيِّ واحِـدٍ مـن الـفـتـيـان. فـأقـنـعـتـهـا أُخـتـهـا خـانـم، بـأنّ الـطـفـل الـرضـيـع لـم يـقـتـرف أيّـة ذنـوب و أنّ الـربّ الـعـلـيّ سـيُـدخـلـه رضـوان جـنّـاتـه بـلا أيّ كـاهـنٍ أو أيّـة تـراتـيـل.  فـفـي نـظـر خـاتـون و أيّـة عـائـلـة أرمـنـيّـة، فـإنّ حـادثـةَ وفـاةَ كـهـذه فـي ظـروف الـتـفترقـة الـعـنـصـريـة و الإضـطـهـاد كـانـت قـصـةٌ أرمـنـيّـة عـاديّـة.

بـعـد مـرور عـدّة أشـهـر، يـهـاجـم بـعـض الـمـسـلّـحـيـن الأكـراد مـن الـقـرى الـمـجـاورة و بـحـمـايـة الـخـفـراء الأتـراك الـمـتـمـركـزون فـي بـلـدة زوخ، يـهـاجـمـون الأخـويـن أبراهـام و مـارديـروس و يـقـتـلـوهـمـا فـي الـحـقـل أثـنـاء قـيـامـهـمـا بِـالأعـمـال الـيـومـيـّه.  جـريـمـة الـقـتـل لـم تـكـن غـيـر مُـتَـوقّـعـة مـن قِـبَـل الـسـكّـان الأرمـن بـل و لـم تـكـن غـيـر عـاديّـة.  تـمـرّ الـجـنـازة بِـصـمـت.  يتـجـمّـع بـعـض الأقـارب، و مـن بـيـنـهـم خـانـم  و زوجُـهـا دانيـيـل، يـوارون الـجـثّـتـيـن بـلا ضـجـيـج و لا عـلامـات غـضـب.  كـان الـخـوف يـخـيِّـم عـلـى الـجـمـيـع.

بـعـد فـتـرة قـصـيـرة، تـتـوفّـى خـانـم، أُخـت خـاتـون، و أمّـا الـزوج دانيـيـل، فـيـغـيـب عـن الـضـيـعـة ويـهـاجـر خـوفـاَ مـن الـقـتـل، ثـمّ تـصـل الأخـبـار، بـأنّـه وصـل إلـى شـمـال سـوريـا.

كـانـت خـاتـون تـعـي أكـثـر مـن أيّ وقـتٍ أنّـه لـم يـبـق حـولـهـا أيّ شـخص قـادر عـلـى حـمـايـتـهـا و حـمـايـة طـفـلـهـا. مـاذا يـسـتـطـيـع أخـو زوجـهـا الأصـغـر أن يـفـعـل و هـو لـم يـتـجـاوز الـسـادسـة عـشـر مـن الـعـمـر.  لـقـد كـان صـغـيراً جـدّاً و غـيـر قـادرٍ عـن الـدفـاع عـمّـن بـقـي مـن الـعـائـلة.

بـعـد مـقـتـل الأخـويـن أبـراهـام و مـارديـروس، يُـدرك كـلّ الأقـارب أنّـه لا مـحـالـة، أنّ الـدائـرة سـتـدور عـلـى الـجـمـيـع واحـداً تـلـو الآخـر, و تـوقـن خـاتـون هـي الأخـرى، أنّـه سـيـنـتـهـي بـهـا الـمـطـاف أن تـتـحـوّل إلـى جـاريـة أو واحـدةٍ مـن حـريـم رئـيـٍس الـعـشـيـرة أو ِأحـدِ أبـنـائِـه رغـمـاً عـنـها. فـيـتـوقّـع الـجـمـيـع  بـأن رئـيـس الـعـشـيرة سـيـرسـل رجـالـه لـيـأخـذوا خـاتـون، الأرمـلـة الـجـمـيـلـة، و يـزوّجـوهـا عـنـوة إمّـا مـعـه أو مـع أحـد ابـنـائـه و هـم بـذلـك يـحـقـقـون أكـثـر مـن غـايـة: إجـبـار امـرأةٍ مـسـيـحـيّـةٍ “كـافـرة” و طـفـلـهـا عـلـى إعـتـنـاق الإسـلام و إسـتـجـلاب “ثـواب” الـلـه لإدخـال نـصـرانـيّةٍ فـي “ديـن الـلـه الـحـق”، ثـمّ الـحـصـول عـلـى عـروسٍ شـابّـة جـمـيـلـة بـدون دفـع مـهـرٍ أو صـداق بـعـد إجبـارهـا عـلـى إعـتـنـاق ديـن الـلـه.

كـان تـهـجـير الـسـكـان الأرمـن مـن وطـنـهـم ظـاهـرة شـائـعـة و كـان سـكّـان الـمـنـطـقـة مـن الأرمـن يـشـاهـدون مـئـات الآلاف مـن الأرمـن مـن كـلّ عـمـرٍ و جـنـسٍ، يـسـيرون راجـلـيـن ضـمـن الـعـشـرات و الـعـشـرات مـن الـقـوافـل، يـسـوقـهـم جـنـودٌ الـجـانـدارمـة الأتـراك فـوق جـيـادهـم، مـدجّـجـيـن بـالأسـلـحـة، يـسـوقـونـهـم بـأتّـجـاه ديـر الـزور، وسـط بـاديـة الـشـام، لـيـلـقـوا حـتـفـهـم فـي الـصـحـراء الـسـوريّـة جـوعـاً  و عَـطـشـاً.  و كـلّـمـا مـرّت قـافـلـةٌ مـن الـمـهـجّـريـن، سـقـط الـكـثـيـرون مـنـهـم عـلـى حـافّـتـي الـطـريـق مـوتـى بـسـبـب الـوهـن و الـجـوع.  و كـلّـمـا سـقـط أطـفـالٌ و شـيـوخ و نـسـاء مـن الـقـوافـل الـعـابـرة، يـتـسـائـل سـكّـانُ بَـريـعـي و جُـوَيـز الـقـريـبـة مـنـهـا و الـقـرى الأرمـنـيّـة الـمـجـاورة: “هـل سـيـأتـي دورُنـا؟  هـل سـيُـحـدِقُ هـذا الـخـطـر بـنـا أيـضـاً؟”

أمّـا خـاتـون، فـتـرتـعـب كـلّـمـا تـذكّـرت صـالـة حـريـم رئـيـس الـعـشـيـرة.  و نـظـراً لـخـطـر الإسـتـعـبـاد الـقـادم لا مـحـالـة، يُـقـرّرُ أخـو زوجـهـا، الـولـد الأخـيـر و الـوحـيـد الـبـاقـي عـلـى قـيـد الـحـيـاة مـن صـلـب مـلـكـون، يُـقـرّر أن يـتّـخـذ خـطـوة حـاسـمة مـحـفـوفـة بـالأخـطـار، لـدرء الـخـطـر الـداهـم.  فـفـي لـيلـة لـيـلاء عـاتـمـة، عـنـدمـا كـان سـكـان الـقـرى الـكـرديـة الـمـجـاورة نـائـمـيـن بـطـمـأنـيـنـة، يـسـري ألـى بـلـدة زوخ، يـدخـل خِـلـسـةً مـنـزلَ الآغـا، رئـيـس الـعـشـيـرة، يـسـرق الـبـنـدقـيّـة الـمـاوزِر الـمـعـلّـقـة مـن الـجـدار مـع الـمـسـدّس و حـزام الـذخـيـرة، ثُـمّ يـخـرح إلـى بـاحـة الـدّار و يـصـرخ بـأعـلـى صـوتـه، فــيـوقـظ أهـل الـمـنـزل.  يـأمُـر الـفـتى شـاهـراً الـسـلاح كـلّ الـرجـال أن يـقـفـوا تـحـت الـجـدار و يـتـوعّـدهـم مـهـدِّداً: “إذا تـجَـرّأ أحـدكـم بـالإقـتـراب مـن خـاتـون أو طـفـلِـهـا ابـنِ سـركـيـس، سـيـمـوت مـوت الـكـلاب.  و لـيـكـن مـن كـان.”  ثـمّ يـخـرج الـفـتـى الـجـريء بـتـأنٍّ و يـبـتـعـد تـحـت جـنـح الـظـلام، لـيـتوارى فـي الـغـابـات الـجـبـلـيـة الـكـثـيـفـة الـمـحـيـطـة بـقـريـتـه و يـقـيـم فـيـهـا.

طـوال الأيّـام الـتـالـيـة، تـعـيـش عـائـلـة الآغـا  و الأكـراد الـتـابـعـون لـهـم فـي رعـب و خـوف،ـ لـيـس مـن الـفـتـى و الأسـلـحـة الـتـي سـلـبـهـا، بـل لـقـنـاعـتـهـم، بـأنّ هـذا الـشـاب “الـمُـتـهـوِّر” سـيـعـود إلـى بـلـدتـهـم مـع فـرقـةٍ مـن الـفِـدائـيّـيـن الأرمـن لـلأخـذ بـثـأر دمـاء أخـوَيـهِ الـشـهـيـديـن. فـيـبـدأون بـتـعـيـيـن حـرّاسٍ يـتـنـاوبـون لـيـلَ نـهـار.

و فـي أحـد الأيّـام، يـلاحـظُ أحـد الـمـارّة مـن الـقـريـة الـكـرديـة الـمـجـاورة الـشـابَّ بـقُـرب حـقـلِ والـده، فـيـسـارع إلـى أهـل الـقـريـة ويـخـبـر رئـيـسَ الـعـشـيـرة فـيـخـرج عـددٌ كـبـيـرٌ مـن الـمـسـلّـحـيـن، يـحـاصـرون الـحـقـل و يـطـلـقـون نـيـرانـاً مـتـلاحـقـة عـلـيـه.  و بـعـد إشـتـبـاكٍ قـصـيـر و عـدّة زخّـات جـمـاعـيّـة مـن طـلـقـات الـبـنـادق، يُـصـاب الـشـاب الـيـافـع بـعـدّة رصـاصـات فـي صـدره و يـخـرّ صـريـعـاً، مـضـرّجـاً بـالـدمـاء فـوق تـراب أجـداده، حـيـث قُـتِـل أخـواه.

و هـكـذا يـسـقـطُ آخـرُ رجـال عـائـلـة مـلـكـون  و هـكـذا تَـتِـمّ إُبـادة كـلّ أبـنـاء الـنـسـب الـقـديـم الـذي عـاش عـلئ أرض أسـلافِـهِ آلاف الـسـنـيـن.  تُـشْـطَـب عـائـلـةٌ عـريـقـة عـراقـة الـدّهـركـمـا كـان يُـشـطَـب الـشـعـبُ بـأكـمـلـه عـن مـهـده الـقـديـم بـعـد تـاريـخٍ دام حـوالـي سـتّـة آلاف عـام.  غـازار الـصـغـير و أمّـه خـاتـون هـمـا كـلّ مـن بـقـي مـن الـعـائـلـة فـي هـذه الـحـيـاة.

و لا يـنـفـكّ الـرعـب مـن هـجـمـات الـمـسـلّـحـيـن الأكـراد و بـمـبـاركـة الـحـامـيـة الـتركـيّـة  يـنـتـشـر فـي قـلـوب الـجـمـيـع مـنـذ سـنـوات.  إذ أنّ مـا أصـاب الآلاف مـن الـقـرى و الـعـشـرات مـن الـمـدن الأرمـنـيـة  مـن تـقـتـيـلٍ و تـهـجـيـرلا مـحـالـة واصـلٌ إلـى بَـريـعـي و جُـوَيـز.  كـان الـجـمـيـع يـدرك، أنّ قـريـتـهـم سـتـواجـه الـتـهـجـير نـفـسـه.  فـالـجـنـود الأتـراك يـجـمـعـون مـن يـبـقـى عـلـى قـيـد الـحـيـاة و يـسـيـرون بـهـم إلـى ديـار غـريـبـة.  و بـعـد حـيـنٍ يـفـصـلـون الـرجـال مـن الـقـافـلة و يـسـوقـونـهـم فـي إتّـجـاه مـخـتـلـفٍ، أمّـا الـشـيـوخ و الـنـسـاء و الأطـفـال فـي إتّـجـاه آخـر.  كـان الـجـمـيـع يـعـلـم أنّ مـسـلّـحـي الـعـشـائـر فـي الـمـنـاطـق الـتـي تـمـرّ فـيـهـا الـقـوافـل، يـغـيـرون عـلـى الـقـرويّـيـن الـعُـزّل، يـنـهـبـون مـا يـحـمـلـونـه و يـخـطـفـون الـفـتـيـات و الـنـسـاء الـشـابّـات و كـأنّـهـنّ سـبـايـا أو مـلـك يـمـيـن، عـلـى مـرأى و مـسـمـع جـنـود الـجـانـدرمـة الأتـراك.  كـانـت خـاتـون، و هـي تـنـظـر إلـى الـقـوافـل الـعـابـرة، عـلـى يـقـيـن أن مـنـزلـهـا سـيُـغـتـصـب مـن قِـبَـل الآغـا رئـيـس الـعـشـيرة الـمـجـاورة و سـتـقـع هـي جـاريـة و إبـنـهـا عـبـداً فـي يـده آن بـقـيـت فـي الـقـريـة.  لـم يـبـقَ أمـام الأمِّ أيّ مـخـرجٍ عـدا مـغـادرة الـمـنـزل و الـوطـن.  فـالإسـتـعـبـاد  أو الـدخـول فـي حـريـم رئـيـس الـعـشـيـرة لـم يـكـن خـيـاراً لـلأم الأرمـلـة  بـأيّ شـكـلٍ مـن الأشـكـال.  إذ أنّـهـا كـانـت تـعـيـش مـع ذكـريـات زوجـهـا سـركـيـس كـلّ لـحـظـةٍ مـن حـيـاتـهـا حـتّـى بـعـد مـمـاتـه  و  كـانـت مُـصـرّة عـلـى تـوريـث غـازار إسـمَ والـده سـركـيـس و كـنـيـة جـدّه مِـلـكـون وسـتـسـمّيـه غـازار سـركـيـس مِـلـكـونـيـان مـهـمـا دفـعـت لـذلـك ثـمـنـاٍ بـاهـظـاَ و الـثـمـن الـبـاهـظ و المـخـرج الـوحـيـد سـيـكـون الإبـتـعـاد عـن أرض الـوطـن و الـقـريـة و المـنـزل.

مـاذا يـعـنـي الإبـتـعـاد عـن أرض الـوطـن و الـقـريـة و المـنـزل؟  مـن لـم يـسـمـع عـن أهـوال قـوافـل الـمـهـجّـريـن الأرمـن مـن أقـربـائِـهِ، فَـلـيـقـرأ عـنـهـا فـي مُـؤلّـفـات الـكـاتـب الأرمـنـي هـامـبـارتـسـوم كـيـلـيـنـيـان، الّـذي عـاش تـلـك الأهـوال  و ذاق مـرارتـهـا بـنـفـسـه.

و فـي لـيـلـةٍ داجـيـةٍ، يـتـجـمّـع الـسـكّـان الأرمـن مـن الـقـرى الـمـجـاورة  و الأقـارب مـن قـريـتَـي بَـريـعـي و جُـوَيـز فـي سـاحـة الـقـريـة.

تـقـتـرب خـاتـون مـنـهـم حـامـلـة غـازار الـصـغـير عـلـى ظـهـرهـا مـع بـعـض أرغـفـة الخـبـز و قـربـة مـاءٍ و تـنـضـمّ إلـى تـجـمّـع الأهـالـي و الـمـعـارف.  كـانـت الـفـوضـى قـد عـمّـت فـي سـاحـة الـقـريـة عـنـد الـفـجـر.  يـصـرخ كـلّ واحـد بـإبـنـه أو زوجـتـه كـي لا يـبـتـعـدا عـن بـعـضـهـمـا،  يـجـلـس أحـد الـقـرويّـيـن عـلـى عـربـتـه  و قـد حـمّـلـهـا بـالـلُـحَـف و الـطـعـام، و أمـرأةٌ تـحـمـلُ قِـدرهـا الـنـحـاسـي الـثـمـيـن، و آخـرُ يـحـمـلَ غـربـالا و مـقـلاة، جـدٌّ عـجـوز يـمـسـك بـمـخـطـوطـتـيـن جـلـديّـيـن مـخـفـيّـتـيـن فـي كـيـس قـمـاشـي مـفـتّـق مـن كـلّ طرف يـشـدُّ عـلـيهـمـا تـحـت إبـطـه بـقـوّة، ولـدٌ صـغـيـرٌ يـحـمـلُ قـفـصـاً مـحـاكـاً مـن الأغـصـان فـيـه حـجـلـتـان، و آخـرٌ يـحـاول جـرّ خـروفـه خـلـفـه.

كـان الـجـمـع الـغـفـيـر الـهـارب مـن الـمـوت الـزاحـف مـسـتـعـدّاً لـلإنـضـمـام إلـى قـوافـل الـمـهـجّـريـن الـتـي تـمـرّ عـلـى الـدروب الـقـريـبـة مـن بـريـعـي، تـسـيـر نـحـو الـمـجـهـول.  كـلُّ الـحـوادث الـمـتـتـالـيـة كـانـت تـتـمـاشـى مـع الـسـيـاسـة الـتـي خـطّـطـت لـه الـحـكـومـه الـتـركـيّـة، ألا و هـي تـفـريـغ أرمـيـنـيـا الـغـربـيّـة مـن سـكّـانـهـا الأصـلـيـيـن و اسـتـمـلاك وطـنِـهـم ألـى الأبـد.

كـانـت خـاتـون عـلـى عـلـمٍ بـالـنـهـم لـدى الـعـصـابـات الـتـركـيّـة و الـكـرديّـة و الـتـركـمـانـيّة لأسر و إخـطـطـاف الـبـنـات و النـسـاء الـشـابّـات الأرمـنـيّـات،  و لـلـبـقـاء فـي مـأمـنٍ مـن مـخـالـب هَـؤلاء، تـغـطّي خـاتـون وجـهـهـا الـجـمـيـل بـالـطيـن و الـرمـاد و سُـخـام الـتـنّـور، لـتـخـفـي حـسـنـهـا الـخـلّاب قـبـل بـدء الـمسـيـر، كـي لا يـتـعـرّف عـلـيـهـا أحـد.  يـمـرّ الـلـيـل بـطـيـئـاً و عـنـد الـفـجـر، و مـن خـلال الـظـلام الـجـاثـم، يـلـوح شـبـح قـافـلـة مـن المـهَـجَّـريـن  و هـي تـقـتـرب.  كـان الـخـيّـالـة الأتـراك عـلـى عـلـمٍ بـالـنـاس الـمـتـجـمّـعـيـن فـي سـاحـة بـريـعـي، فـيـقـومـون بـخـلـط الـجـمْـعِ الـغـفـيـر مـن الـقـريـة بـأهـل الـقـافـلـة  و يـسـوقـون الـجـمـيـع بـإتّـجـاه الـجـنـوب.  كـان عـلـى الـقـافـلـة أن تـسـيـر مـا يـقـارب الثـلاثـمـائـة مـيـل، أي أكـثـر مـن اربـعـمـائـة و خـمـسـيـن كـيـلو مـتراً.

تـسـير خـاتـون مـع الـجَـمـوع الـغـفـيـرة بـإتّـجـاه مـديـنـة الـقـامـشـلـي، شـمـال شـرقـي سـوريـا، تـاركـة ورائـهـا كـلّ شـيء، مـنـزلـهـا ذا الـفـنـاء الـواسـع و الـغـرف الـكـثـيـرة، ثلاث غـرفٍ لـكـلّ  ولـدٍ مـن أولاد مِـلكـون الّـذيـن لـم يـبـق مـنـهـم أحـد.  لا تـنـفـكّ خـاتـون تــنـظـر خـلـفـهـا آلـى الـمـنـزل و هـو لا يـزال مـتـربّـعـاً عـلـى الـرابـيـة الـواسـعـة، حـظـيـرتـهـا  و فـيـهـا الـمـاشـية و الأبـقـار الـسـمـيـنـة تـجـتـرُّ جـالـسـةً  بـسـلام، تـنـتـظـر مـن يُـفـرِغ الـحـلـيـب مـن ضـروعـهـا، سـتـضـع الـدجـاجـات الـكـثـيـرة بـيـضـاً وفـيـراً هـذا الـصـبـاح  و لا أحـدٌ هـنـاك لـيـجـمـع الـبـيـض، شـجـرة الـتـوت فـي الـفـنـاء بـجـذعـهـا الـبـاسـق و أغـصـانـهـا الـمـنـتـشـرة كـوالـدة حـنـونـة فـاتـحـة أذرعـهـا لـتـظـلّـل الـقـبـور الأربـعـة، أشـجـار الـرمّـان الـمـحـمّـلـة بـالـثـمـر الـوفـيـر، الـتـنّـور الـذي بـنـاه سـركـيـس مـنـذ أكـثـر مـن أربـعـة سـنـوات، اكـيـاس الـطـحـيـن الـمـكـدّسـة فـوق بـعـضـهـا الـبـعـض، مـؤونـة الـشـتـاء، الـزيـت و الـزبـدة، الـسـجّـادات الـثـمـيـنـة، الـهـدايـا الـبـاقـيـة مـن يـوم الـعـرس، و كـلّ، كـلّ ذكـريـات الأيّـام الـجـمـيـلـة.  مـن بـيـن كـلّ ثـروتـهـا، تـأخـذ خـاتـون مـعـهـا الـمـفـتـاح الـخـشـبـي الـكـبـيـر الـذي اعـتـادت أن تـسـتـخـدمـه لإغـلاق الـبـاب الـضـخـم لبـيـتـهـا.

بـعـد مـسـيـر مـا يـقـارب الـثـلاث سـاعـات أو أكـثر، يـوقـف الـجـانـدارمـة الأتـراك الـقـافـلـة، يـفـصـلـون الـرجـال الـقـادريـن عـلـى الـسـيـر و يـسـوقـونـهـم بإتّـجـاه مـخـتـلـف، أمّـا الـنـسـاء و الـشـيـوخ فـبـإتّـجـاه آخـر، ثُـمّ يـسـتـولـون عـلـى أمـوال مـن بـقـي فـي الـقـافـلـة و يـنـهـبـون الـمـاشـيـة و الـثـيـاب الجـديـدة  و يـسـتـمـرّون فـي دفـع الـقـافـلـة إلـى الأمـام.

كـانـت الـقـافـلـة تـسـيـر، فـتـقـضـي الـلـيـل بـمـحـاذاة دروبٍ غـريـبـة  و فـي الـنـهـار تـقـطـع عـشـرات الـكـيـلـومـترات سـيـراً عـلـى الأقـدام عـلـى طـرقـات يـحـرقـهـا لـهـيـب الـشـمـس.  كـان الـكـثـيـر مـن الأطـفـال يـقـضـون نـحـبـهـم بـيـن ذراعـي الأمّـهـات جـوعـاً و عـطـشـاً، فـتـضـع  الأمّ الـجـثّـة الـهـامـدة عـلـى قـارعـة الـطـريـق، تـتـلـو صـلاةً سـريـعـة،  تـلـقـي نـظـرة أخـيـرة عـلـى جـثـة الـطـفـل و لـسـان حـالـهـا يـقـول “قـد نـجـوت مـن وحـشـيّة الـتـهـجـيـر و الإبـادة يـا ولـدي”،  و تـكـمِـل سـيـرهـا.

فـالـخـيّـالـة الأتـراك لا يـوقـفـون الـقـافـلـة  مـن أجـل دفـنِ طـفـلٍ مـشـرك ولا لأداء صـلـوات الـكـفّـار، إذ أنّ قـصّـة وفـاة طـفـلٍ أثـنـاء الـتـهـجـيـر لـم تـكـن إلّا قـصّـة أرمـنـيّـة عـاديّـة، تـحـدث مـئـات الـمـرّات كـلَّ يـوم.  أمّـا الـكـهـول  و  الـعجـائـز فـكـانـوا يـتـهـالـكـون عـلـى جـانـب الـدرب الـطـويـل، فـيـجـلـسـون عـلـى الـحـافّـة، و يـحـلـمـون بـلـفـظ الـنـفـس الأخـيـر قـبـل نـزول الـظـلام و خـروج الـذئـاب و الـضـبـاع لـلـصـيـد.  لـم يـكـن هـنـاك عـارفٌ مُـلِـمٌّ بـقَـدَر هـؤلاء كـي يـقـول لـهـم أيـن سـتـكـون نـهـايـة هـذه الـدروب الـتـي لا تـنـتـهـي.  لـم يـكـن هـنـاك مـن يـدري إن كـانـت الـقـافـلـة سـتـجـد لـقـمـة خـبـزٍ أو شـربـة مـاء فـي الـمـعـمـورة الـقـادمـة.

و كـلّـمـا يـقـع شـيـخ أو طـفـلّ عـلـى قـارعـة الـطـريـق، يـنـظـر غـازار بـعـيـونـه الطـفـولـيّـة  مـن فـوق كَـتـف أُمّـه و يـطـيـل الـنّـظر إلـى الـمـشـهـد الّـذي لا يُـمـكـن لأحـد أن يـتـصـوّره: أطـفـال مـن عـمـره يُـتركـون فـي جـنـازات صـامـتـة و مـقـابـر فـي الـهـواء الـطـلـق.  لـم يـكُـن غـازار الـصـغـيـر يـفـهـم كُـنـه الـمـوت، فـإنّ عـقـلـه الـغـضّ لـم يـكـن قـادراً عـلى إسـتـيـعـاب الـمـشـهـد: لـمـاذا تـتـرُكُ بـعـض الأُمّـهـات أطـفـالـهـنّ فـي الـعـراء عـلـى حـافّة الـدرب.  لـمـاذا يـنـام بـعـض الـشـيـوخ عـلـى حـافّـة الـطـريـق و تـغـادِرُ الـقـافـلـة.  و فـي قـرارة نـفـسـه الـطـفـولـيّـة كـان يُفـكِّـر دومـاً: أتـرى سَـأتـرَك أنـا أيـضـاً بـيـن الأشـواك و تُـكـمِـلُ أمّـي و الـقـافـلـة الـمـسـيـر بـعـيـداً؟

بـعـد ثـلاثـة أيّـام مـن الـمـسـيـر عـلـى هـذه الـتـخـوم الـتـي تـشـويـهـا الـشـمـس الـحـارقـة،  و بِـالـقُـرب مـن مـفـتـرق طـرقٍ بـعـيـد، كـان الـجـانـدارمـة الأتـراك، كـمـا جـرت الـعـادة، يـتـفـيّـأون تـحـت عـدّة أشـجـار مـتـفـرّقـة،، يـنـعـمـون بـإسـتـراحـة الـظـهـيـرة، تـاركـيـن الـقـافـلـة تـجـلـس عـلـى الـطـريـق.

مـن بـعـيـد، تـلـوح سُـحُـبٌ مـن الـضـبـاب الـمَـمـزوج بـالـغُـبـار. ثـمّ يـظـهـرُ فـي الأُفـقِ شَـبـحُ قـافـلـةٍ قـادةـة، تـتـوضّـحُ مـعـالـمـهـا بـالـتـدريـج.

فـفـي كُـلِّ مـرّة عـنـدمـا تـقـتـرب قـافـلـةٌ قـادمـة، يـتـجـمَّـع أُنـاس هـذه الـقـافـلـة عـلـى قـارعـة الـطـريـق، يـنـتـظـرون وصـولـهـا بـفـارغ الـصـبـر، يـخـتـلـطـون مـع الـقـادمـيـن، يـسـألـون عـن أحـبّـتـهـم، مـعـارِفِـهِـم، أقـاربِـهـم، أو أفراد عـائـلاتِـهـم.

أمّـا خـاتـون، فـتـبـقـى جـالـسـة عـلـى حـافّـة الـطـريـق، و قـد وضـعـت غـازار الـصـغـيـر عـلـى الأرض، لا تـكـتـرثُ بـالـقـافـلـة الـتـي لا تـلـبـث تـقـتـرب أكـثـر فـأكـثـر و كـأنـهـا إعـصـار مـهـاجـم.  تـتـمـازج الـقـافـلـتـان عـنـد تـقـاطُـعِ الـدروب. يـتـحـرّك الـنّـاس فـي كـلّ إتّـجـاه، يـسـتـفـسـرون مـن بـعـضِـهـم الـبـعـض.  مـنـهـم مـن يـلـتـقتي مـع مـعـارفـه و آخـرون يـعـثـرون عـلـى أقـربـائـهـم. أمّـا خـاتـون، فـلا تـغـادر مـكـانَـهـا بـل تـبـقـى مـنـهـمـكـة مـع غـازار الـصـغـيرفـقـط، إذ أنّـهـا تـعـلـم تـمـامـاً، أنّـه لا أحـد مـن أفـراد عـائـلـتـهـا  و آل زوجِـهـا سـركـيـس بـاقٍ عـلـى قـيـد الـحـيـاة. لـقـد قُـتِـل زوجُـهـا  و إخـوَتُـهُ الـثـلاث، تُـوفِّـيَـت أُخـتُـهـا خـانـم مـؤخّـراً،  و أمّـا زوج أُخـتـهـا دانـيـيـل فـقـد هُـجِّـرُ، ضـاع أثَـرُه و انـقـطـعـت أخـبـاره مـنـذ إشـهـرٍ. و هـاكـوب ابـن عـمِّ زوجـهـا، فـقـد كـان عـلـى مـعـرفـة تـامّـة، أن دوره فـي الـقـتـلِ قـد حـان، فـحـمـل ابـنَـه كـارابـيـت و زوجَـتَـه فـارتـوه و هـرب جـنـوبـاً.  أمّـا ابـن عـمّ سـركـيـس الآخـر، سـيـمـون و زوجـتـه خـانـه، فـعـد ان تـوفّى الـلـه ثـلاثـة مـن أبـنـائـهـم، أخـذوا طـفـلَـهـم الـوحـيد أوهـان و رحـلـوا خـوفـاً مـن الإبـادة و لـم يـعـرف أحـدٌ مـن الأقـربـاء شـئـاَ عـنـهـم بـعـد الـرحـيـل. لَـيـس لـخـاتـون أيَّ أقـارب لـتـبـحـث عـنـهـم. إنّـهـا لا تـطـيـق حـتّـى الـنـظـر إلـى مـشـاهـد لـقـاء بـعـض الأحِـبّـة  و تـأوّهـاتِـهـم أو مـشـاهـد الـدمـوع الـسـخـيـنـة الـتـي يـذرِفُـهـا آخـرون عـنـدمـا يَـتَـلـقّـون نـبـأ مـقـتـل أزواجِـهـنّ و أبـنـائِـهـن.  مـشـاهــد تُـسـفِـكُ دمـاء الـقـلـوبَ سـفـكـاَ.

بـعـدَ سـاعـةٍ أو أقـل، عـنـدمـا كـانـت خـاتـون تـسـقـي غـازار جـرعـة مـاءٍ، سـمِـعـت مـن قُـربـهـا صـرخـة مـلـيـئـة بـالـمـأسـاة:

– خـاتـووون.

تـسـمـع خـاتـون الـصـوت الـمـعـروف لأُذُنـهـا، تـرتـعـش لـحـظـة، فـإنّ الـمـرأة الـتـي تـقـتـربُ مـنـهـا، كـانـت خـانـه، زوجـة سـيـمـون، ابـن عـمِّ زوجـهـا سـركـيـس، و عـلـى ظـهـرهـا ابـنـهـا االـيـتـيـم أوهـان.

تـرتـعـش خـاتـون كـأنّـهـا عـثـرت عـلـى أهـلـهـا أجـمـعـيـن، فـتـطـلـق صـرخـة ملـيـئـةً بـالأسـى:

– خـانـه.

و كـنّـتـا الـعـائـلـة الـمُـرَمّلـتـان تـقـعـان فـي أحـضـان بـعـضـهـمـا الـبـعـض و تـمـزجـان قـطـرات الـدمـوع الـسـخـيـنـة.  تـبـقـى الـمـرأتـان الـوحـيـدتـان فـي هـذه الـحـيـاة فـي حـضـن بـعـضـهـمـا تـنـوحـان طـويـلاَ طـويـلا.

و أخـيـراَ تـتـنـهّـد خـاتـون نَـهـدةً عـمـيـقـة  ثـمّ تـطرح سـؤالاً، تـعـرف جـوابـه:

– خـانـه. و لـكـن أيـن زوجُـكِ سـيـمـون؟ هـل هـو حـيٌّ؟  هـل أخـذوه هـو الآخـر؟

تـمـسـح الـمـرأتـان الـشـابّـتـان الـدمـوع  و تـجـلـسـان عـلـى حـافّـة الـدرب و تُـكـمِـل خـانـه الـحـديـث.

– يـا أخـتـي. سـيـمـون لا وجـود لـه الآن.  لـم يَـعُـد لـه وجـود مـنـذ أيّـام.  مـنذ أسـبـوع، كـانـت قـافـلـةٌ مـن الـمُـهَـجّـريـن تـمُـرّ بـقـرب الـقـريـة، فـمـزج الـجـنـود الأتـراك أهـلَ قـريـتـنـا مـع الـقـافـلـة الـعـابِـرة.  و بـعـد يـومـيـن، عـنـدمـا كـنّـا نَـمُـرّ بـبـلـدة فـيـهـا ثُـكـنَـةٌ عـسـكـريّـة  تـركـيّـة، أوقَـفَـنـا الـجـانـدارمـة، فَـصـلـوا الـرجـال عـن الـبـقـيّـة  و أخَـذوهـم بـإتّـجـاه تـلـك الـثُـكـمـة.  هـا قـد مـرّت أربـعـة أيّـام و لا خَـبـرُ مـن سـيـمـون.

– مـن سـيـأتـيـنـا بـخـبـرٍ و نـحـن تـائـهـون عـلـى هـذه الـدروب.

بـعـد سـاعـة مـن تـبـادل الأحـاديـث الـمُـبَـلّـلـة بـالـدمـوع، يُـصـدر الـجـنـود الأتـراك الأمـر بـمـتـابـعـة المـسـيـر نـحـو الـمـجـهـول.

الـكـنّـتـان الـلّـتـان وجَـدتـا بـعـضَـهـما بـعـد الأهـوال، كـأنّـهـمـا امـتـلأتـا بـطـاقـة جـديـدة، تـتـقـدّمـان الآن بـخُـطىً واثـقـةٍ، و كـلّـهـمـا ايـمـان، بـأنـهـمـا سـتـتـمـكّـنـان مـن تـحَـمّـل الأهـوال إلـى حـيـث يـنـتـهـي الـمـسـيـر.  و لـكـن لا أحـد يـعـرف أيـن سـيـنـتـهـي المـسـيـر.

عـلـى دروب الـتـهـجـير، يـقـع الـكـثـيـرون خـارج الـقـافـلـة الـمـكـتـظّـة.  و عـنـد الوصـول إلـى بـلـدة الـقـامـشـلـي، كـانـت الـقـافـلـة  قـد تـحـوّلـت إلـى شـريـط  رفـيـع مـن حـطـام أجـسـادٍ واهـنـة شـبـيـهـة بـالـبـشـر، مـتـنـاثـرة خـلـف بـعـضـهـا.

تـتـمـكّـن خـانـه مـن الـعـثـور عـلـى بـعـض أقـاربـهـا و تـسـكـن مـعـهـم، أمّـا خـاتـون، فـتـبـحـث عـن هـاكـوب، ابـن عـمّ زوجـهـا الـذي كـانـت قـد عَـرفـت عـنـه أنّـه هُـجِّـرَ  و سـيــقَ مـع زوجـتـه فـارتـوه و ولـده الـوحـيـد كـارابـيـت  و حـطّ بـه الـرحـال فـي هـذه الـديـار.

تـعـثـر خـاتـون عـلـى هـاكـوب، الّذي كـان قـد وصـل إلـى هـذه الـبـلـدة، حـفـر زريـبـة لـمـاشـيـتـه  تـحـت الأرض  و بـنـى فـوقـهـا غـرفـة واحـدة  و بـدأ يـسـكـن فـيـهـا مـع زوجـتـه و وَلَـده.

يـدعـو هـاكـوب و زوجـتـه، يـدعـوان خـاتـون أن تـأتي مـع غـازار و تـحـتـمـي فـي زريـبـتـهـم.  و هـكـذا تـفـعـلُ الأمّ الـحـائـرة.

يـتـوفّـى هـاكـوب بـعـد وقـت قـصـير و يـبـقـى كـارابـيـت، و قـد شـارَفَ عـلـى بـلـوغ عـمـر الـمـراهـقـة، يـتـيـمـاً  مـع أُمِّـه الأرمـلـة فـيُـعـرف لـدى أهـل الـحـيّ بِـاسـم كـارابـيت بـن فـارتـوه طـوال حـيـاتـه.

بـعـد الـعـيـش فـي الـزريـبـة  قـرابـة عـقـدٍ مـن الـزمـان، تـتـوفّـى خـاتـون أيـضـاً، عـنـدمـا كـان غـازار قـد بـلـغ الـثـالـثـة عـشـر مـن عـمـرِه.

هـنـا تـبـدأ سـيـرة حـيـاة غـازار الـجـديـدة.

فـي هـذه الـفـتـرة الـمـبـكِّـرة مـن حـيـاتـه، يـدخـلُ غـازار لـلـعـمـل لـدى حـوذيٍّ كـهـلٍ حـيـث يـعـتـنـي بـالـجـواديـن و يـقـوم بـالـتـصـلـيـحـات الـلازمـة لـلـعـربـيّـة، و يـأخـذهـا فـجـرَ كـلّ يـوم إلـى مـقـلـعِ تـرابٍ خـارج الـبـلـدة، يـمـلَـؤهـا تـرابـاً نـقـيّـاً ثـمّ يـعـود لـيـبـيـعـه لـلـبـنّـائـيـن، فـيـسـتـخـدمـونـه لـبـنـاء  الـلَـبْـن و لـطـوب، و يُـقـيـمـوا بـهـا أكـواخـاً و مـنـازلَ جـديـدة.  و فـي بـعـض الأيّام، يـنـقـل غـازار تـراب الـصـلـصـال الـنـقـي و يـبـيـعـهـا لـصـنّـاع الـفـخّـار.

بـعـد حـوالـي عـقـدٍ و نـصـف مـن الـزمـان مـن الـعـمـل فـي نـقـل و بـيـع الـتـراب، يـتـقـدّم غـازار بـطـلـب إلـى وزارة الـمـواصـلات فـي سـوريـا الـمـسـتـقـلّـة حـديـثـاً و يـبـدأ بـالـعـمـل فـي مـحـطـة قـطـارات الـمـديـنـة حـيـث كـان يُـؤدّي كـلّ الأعـمـال، الـصـعـبـة.  و بـسـبـب غـيـاب الـوالـد، لاحـقـتـه لـعـنـةُ تـسـمـيـة الـيـتـامـى بـإسـم الأمّـهـات إلـى هـنـا أيـضـاَ.  فـإلـى جـانـب اسـم غـازار بـن خـاتـون، أصـبـح الـبـعـض يـعـرفـونـه بـاسـم غـازار الـمـحـطّـة.  إلّا أنّ اسـمـه فـي ألـمـسـتـنـدات الـرسـمـيـة كـان قـد كُـتِـب كـمـا حـلـمـت أُمّـه.

و مـنـذ ذلـك اليـوم، تـصـبـح حـيـاة غـازار أكـثـر اسـتقـراراً، فـيـمـتـلـك مـنـزلـه الـخـاص، و لا ضَـيـر أنّـه كـان مـنـزلاً مـتـواضـعـاً، ثـمّ يـقـتـرن بـفـتـاة تـرعـرعـت فـي الـيُـتـم مـثـلـه و يـنـجـب أطـفـالاً.

إلّا أنّ غـازار يـبـقـى طـوال حـيـاتـه عـاجـزاً عـن سـرد قـصـة طـفـولـتـه عـلـى مـسـامـع بـنـاتـه و أبـنـائـه.  و فـي بـعـض الـمـنـاسـبـات الـعـائـلـيّـة، عـنـدمـا تـجـتـمـع الـعـائـلـة حـول الـمـائـدة لـلإحـتـفـال بـمـنـاسـبـةٍ مـا، لا بـد أن يـحـاولَ غـازار الإشـتراك فـي الإحـتـفـال بـأغـنـيـة مـن الأغـانـي الـتـي كـان يُـحـبّـهـا، و لـكـن هَـيـهـات و يـا لـلأسـف.  فـلا يـكـاد يـبـدأ أوّل سـطـرٍ مـن أغـنـيـة ” ديـلـه يـامـان . . .” (الـهـول لـك يـا قـلـبُ ) حـتّـى يـخـتـنـق صـوتـه فـي قـعـر الـدمـوع الـسـخـيـنـة.  لـم يـسـتـطـع غـازار فـي كـلّ حـيـاتِـه أن يـغـنّـي أغـنـيـتَـه الـمُـحَـبّـبة ولـو مـرّةً  واحـدة.  أمّـا ذكـريـات طـفـولـتِـه، فـيـنـبـري أبـنـائُـه و بـنـاتـه يـجـمـعـون شـذرات مـنـهـا قـدر مـا اسـتـطـاعـوا مـمّـا كـان يُـقِـصُ الأقـارب و الـمـعـارف مـن ذكـريـاتـهـم الـشـخـصـيّـة.

يُـنـجـب غـازار تـسـع أولاد، يـبـقـي مـنـهـم سـتّـة عـلـى قـيـد الـحـيـاة، أربـعـة أولاد و ابـنـتـيـن، فـيـسـمّـى ابـنـه الأوّلَ سـركـيـس، عـلـى اسـم أبـيـه الـشـهـيـد ويـسـمّـى ابـنـتـه الأولـى خـاتـون، تـيـمُّـنـاً بـاسـم الأُم الـبـطـلـة الـتـي خـاضـت الـمـآسـي و سـخـرن مـنهـا كـي تـنـقـذ حـيـاتـه.  و لـكِـنّ اسـمـه هـو يـبـقـي دائِـمـاً مـرتـبـطـاً بـاسـم أُمّـه الأرمـلـة: غـازار بـن خـاتـون، حـتّـى وفـاتـه، فـي خـريـف عـام 1991. فـي تـلـك الـسّـنـة فـقـط أدركـتُ سـبـب تـسـمـيـة أبـنـاء ذلـك الـجـيـل بـأسـمـاء أُمّـهـاتـهـم، مـثـل آرام بـن الـعـجـوزة، حـسـنـي بـن ريـحـان و آخـرون.

كـاتـب هـذه الـسـطـور فـي مـقـتـبـل شـبـابـه مـع غـازار بـن خـاتـون، عام 1976

عـنـدمـا تُـوُفّـيَ غـازار، أقـام أبـنـاؤه شـاهـداُ واقـفـاً عـلـى قـبـره، مـن الـمـرمـر الأسـود.  كُـتِـب عـلـى الـشـاهـد الـلامـع: “الـبِـتـلـيـسـي غـازار سـركـيـس مـلـكـونـيـان.  1907 – 1991”

إنّ كـلّ واحِـدٍ مـن الأبـنـاء الـمـنـسـوبـيـن إلـى أُمّـهـاتـهـم كـانـت لـه قـصّـةٌ مـأسـاويّـة مـمـاثـلـة،  ولـكـنّـنـا لـم يـخـطـر بـبـالـنـا يـومـاً أنْ نـبـحـث و نـسـتـقـصـي عـن سـبـب هـذه الـتـسـمـيـة و درب الـحـيـاة الـمؤلـمـة الـتـي سـار عـلـيـهـا هـؤلاء.

لـقـد اسـتـطـعـت أن أجـمـع هـذا الـنـذر الـيـسـيـر مـن حـيـاة غـازار الـمـأسـاويـة، لأنّ الـطـفـل الّـذي مـرّ عِـبـرَ الأيّـام الـقـاسـيـة، كـان قـد تـمـكّـن مـن الـبـقـاء عـلـى قـيد الـحـيـاة، و الإسـتـمـرار،  و إنـجـاب تـسـع أطـفـال، عـاش مـنـهـم سـتـةٌ، ابـنـتـان و أربـعـةُ أولادٍ، واحـدٌ مـنـهـم أنـا، كـاتـب هـذه الـسـطـور.

 

الشـكـر الـجـزيـل لـلآتـيـة أسـمائـهـم:

– سـيـمـون أوهـان سـيـمـونـيـان (الـقـامـشـلـي، حـالـيّـاَ بـيـروت) لـتـقـديـم مـعـلـومـات عـن جَـدِّ  و أبـوي والـده، أوهـان بـن خـانـه.

– نـازلـي تـنّـورجـي كـارابـيتـيـان (الـقـامـشـلـي، حـالـيّـاَ تـشـيـلـي) لـتـقـديـم مـعـلـومـات عـن ابـن عـمّ سـركـيس كـارابـيـت و زوجـتـه فـارتـوه.

– لـوسـيـن غـازار مـلـكـونـيـان (الـقـامـشـلـي، كَـسَـب، أرمـينـيـا) لـتـقـديـم مـعـلـومـات عـن ديـكـران الـصـغـير، شـقـيـق والـدهـا غـازار بـن خـاتـون.

– خـاتـون غـازار مـلـكـونـيـان (الـقـامـشـلـي، مـتـوفّـاة) لـتـقـديـم مـعـلـومـات غـنـيّـة عـن والـدهـا غـازار بـن خـاتـون و والـِدِه سـركـيـس و إخـوَة سـركـيـس الـثـلاثـة مـارديـروس، أبـراهـام و الآخـر، غـير الـمـعـروف اسـمـه.

– فَـهـمـي أوهـانـيـان (الـقـامـشـلـي) لـتـقـديـم مـعـلـومـات عـن قـريَـتَـي بَـريـعـي و جُـوَيْـز و مـوقـعـهـمـا الـجـغـرافـي بـأرمـيـنـيـا الـغـربـيّـة.

– مـيـكـائـيـل مـانـوكـيـان (الـقـامـشـلـي، حـالـيّـاً أرمـيـنـيـا) لـتـقـديـم مـعـلـومـات عـن خـانـم، أخـت خـاتـون و خـالـة غـازار.

Share This