هذا الأرمني في لبنان
كريس تشوبوريان (جبّور)
Tuesday, 26-Apr-2022 06:03
أجدادي الأحباء،
البعض منكم كافح وانتصر على الجزّارين، فولّد أجيالاً من المناضلين ليرفعوا راية القضية، والبعض الآخر استشهد ليحيا الشعب الأرمني.
كنت أفكّر ما الذي يمكن أن أضيفه من معلومات عن جريمة العصر في مقالٍ، بعد ١٠٧ سنوات، فالجميع يعرف حقيقة تعذيبكم وصلبكم وذبحكم، لكنّ القليلين اعترفوا بها لحسابات سياسية… بين المعرفة والإعتراف، ارتأيتُ أن أفضل طريقة لتخليد ذكراكم هي بشكركم… لأنّني بفضلكم، أصبحت اليوم «هذا الأرمني» في لبنان.
هذا الأرمني، الذي يولد ولديه واجِب استرجاع ديْن أجداده.
هذا الأرمني، الذي في أي مجتمع كبر، تُفتّح صور الإبادة جروحكم في جسده، ويدفعه صراخ آلامكم في أذنيه للانتفاضة لأرمنيّته.
أنا اليوم صامد، بفضلكم، في ظل الأزمة المالية والإقتصادية، كلما سمعت بعض اللبنانيين يتذمّرون بسبب عدم إمكانيتهم للسفر للسياحة أو للسهر في الملاهي الليلية، أتذكّر أنّ أجدادي مشوا أيّاماً في الصحراء من دون مأكل ومشرب، قُتل أحبابهم أمام أعينهم، مات أولادهم عطشًا تحت أقدامهم. حتّى لو انّ الخناق يضيق يومًا بعد يوم، لكن أصمدوا، نهاية درب العذاب قد اقتربت، أجدادنا مَشوا من دون أي أمل وسيف الجزّار على رقبتهم، ولم يستسلموا… فكيف نستسلم نحن؟
أنا اليوم متمرّد، بفضلكم، أنتم الذين دفعتم ثمن تمرّدكم على واقع حياتكم. أمّا المتمردون بالفكر فقطعت رؤوسهم وتَباهى المجرمون بجريمتهم في الشوارع… تمّ قتلكم ورؤوسكم مرفوعة، فولدت أجيال لا تركع ولا تنحني، تبقى مرفوعة الرأس فخرًا بأجدادها… أمّا أحفاد الجزّارين فطمروا رؤوسهم تحت التراب خجلاً بتاريخهم وتهرّبًا من دين أجدادهم.
أنا اليوم وطني، بفضلكم، أنتم الذين سُلختم من أراضيكم فاستولى عليها المجرمون، اليوم أحفادكم في ناغورنو قره باغ (آرتساخ) هدّموا منازلهم بأنفسهم قبل أن يستولي عليها المجرم نفسه، فكيف لا أتمسّك بأرضي اليوم؟
أنا اليوم سيادي، لا أرضخ لأحد، فكيف لي أن أرضخ وأجدادي فضّلوا العذاب على الرضوخ للباشا السفّاح؟
أجدادي الأحباء،
لم ينتصر المجرم، أبدًا.
فبعد ١٠٧ سنوات، قضيتكم لم تمت بل أصبحت تسيل في عروقنا. بعد ١٠٧ سنوات، يضع التركي على الطاولة، في كل مفاوضات، شرط «نسيان مسألة الإبادة الأرمنية» لإتمام الإتفاق. أليس ذلك إعترافا ضمنيا يستوجب على الدول إدانة الإبادة والإعتراف بها علنًا؟ بعد ١٠٧ سنوات، في ناغورنو قره باغ (آرتساخ) يكمل التركي الإبادة، هذه المرّة ثقافية، محاولاً مَحو أي بصمة للأرمن. ربّما لا يتحمّل المجرم أن تطغى الثقافة الفنية على ثقافة إجرامه. شكرًا أحبائي، على جَعلي هذا الأرمني في لبنان.
ذكراكم ستبقى في وجداننا، وأرواحكم ستبقى حيّة في قلوبنا.
صحيح أنّ البعض يستغلّ إسمه الأرمني وذكراكم لمصالح خاصة، صحيح أنّ البعض لا يستذكركم إلاّ في ٢٤ نيسان من كل سنة بحلقة تلفزيونية أو صورة… سامحوهم، إن لم يكن هؤلاء أرمن من البداية، فلا يعرفون المعنى الحقيقي في أن يكون شخصٌ «أرمنيًا».

