كلمة الدكتور ناجي الحايك في عيد الشهداء ساحة الشهداء في 6 ايار2023

نحن اللبنانيين من طوائف الأرمن والموارنة والسريان والأشوريين والكلدان، نحن المسيحيين والمسلمين، نحن أحفاد شهداء أكبر جريمة تطهير عرقي حصلت في الشرق منذ بداية القرن الماضي، نجتمع في 6 أيار لكي ننقي ذاكرتنا الجماعية ولكي لا نهمل عدوانا فظيعا ما انتهت فصوله حتى يومنا هذا.

نحن وارثو المظلومين والمنكل بهم نؤكد للعالم بأن أرواح أجدادنا لم تندثر بغيابهم هم ولا قصاص أو تعويض يخفف هول الجريمة أو ينسي حدوثها. إن الصفح الذي تمليه علينا دياناتنا السماوية يمر حكما بالإقرار… وبالإعتذار… وبتحمل المسؤولية الواضحة كطريق للمصالحة الحقيقية كما حصل في اوروبا.

نريد أن نحلم بارتقاء الشعوب الشرقية إلى هذا المستوى وهي المعتادة على نفاق المصالحات ودجل المعاهدات والرد على اليد الممدودة باليد الموضوعة واستبدال العرض بالفرض.

إن من يحاول انكارالجزء البشع من تركة اجداده يكون متواطئا مع جريمة لم يرتكبها هو.

إنه استكبار غير مفهوم، وتنصل غير مقبول، وعرقية غير محمودة وطائفية ممقوتة. كلامي هنا ليس جديدا ولا بعيدا عن العقل والمنطق في العالم المتحضر. حتى أنه أيضا كلام حسن جمال حفيد الباشا السفاح الذي قال في كتابه :” إن انكار المجزرة الأرمنية هو شراكة في جريمة ضد الانسانية”.

حقبة سوداء يتصدرها سفاحون ثلاثة:  جمال وطلعت وأنور يختصرون توجها لا يشبه البشر.

في المقابل، نساء واطفال ينضحون نقاء ملطخا بدماء من قتل بحد السيف في أورفة وماردين وطور عابدين ومن صلب على خشبة فداء في أرمينيا الغربية أو قضى جائعا عطشا مجرحا على قارعة الطريق في جبل لبنان اومعلقا في ساحات بيروت ومرجة الشام.

نجتمع اليوم هنا لا لنبكي فلسنا في جنازة، نحن هنا لنرفع عاليا وبفخر لا بعصبية شهادة أسلافنا  ولنطمئن أرواحهم بأن الخلف سيبقى أمينا لا للذكرى  فقط بل لروحانية ورمزية هذه القضية المركزية.

لماذا قتل اجدادنا ولماذا لم تتوقف مشاريع التخلص منا ؟

قتلوا لأنهم ضبطوا بالجرم المشهود وهم يعتنقون الحرية علنا في سجن كبير يعدم فيه كل معترض على سياسة الظلم، أهلكوا كونهم احرارا في منطقة صدرها ضيق وعقلها لا يفسح مجالا للإختلاف لا بالعرق ولا بالدين ولا بطريقة العيش.

خطورة هؤلاء المسالمين أنهم انحنوا فقط إجلالا للرب ولم يركعوا أمام الطغاة مع ثبات كبير بايمان لا يتزعزع ولا يرهبه هدر الدم.

جريمتهم أنهم تمسكوا بالحرية وشهدوا لها بادواتها لأن البطولة الحقيقية بنظرهم وبنظرنا هي حمل القيم التي تتلخص بكيانية الانسان الساعي الى الحرية والمحبة والسلام.

لم يكن نصيبهم من كل هذا الا الصليب لتصدق كلمة يسوع المسيح  بان سيضطهدونكم لأجل اسمي لانه كتب عليكم ان تكونوا من هذا العالم وانتم لستم منه.

إن كانت دراسات الجينات أظهرت أن اعراقنا متقاربة ومتداخلة وقد نلتقي على الدين والمذهب أوحتى نتباعد لكن أهم ما جمعنا في هذه الأرض اللبنانية المقدسة ومنذ مئات السنين إنما هي خاصة واحدة اسمها ملكة الحرية.

هي التي جعلت طالبيها يلتقون ليشكلوا حالة فريدة في الجوار، حالة تسببت لنفسها تارة بحروب غزاة مسلحين وطورا بالإغراق السكاني عبر استقدام موجات بشرية تهدف الى استبدال شعب باخر كما حصل على مر العصور وكما يراد أن يحصل اليوم مع أعداد النازحين المخيفة.

أخوتنا هنا هي أخوة وحدة قيم الانسانية الراقية، هي وحدة بالتعددية ومساواة بالمغايرة. هي حمل للضمير لا حمل للسيف. هي رسالة التوحيد التي لن تتوقف عن مواجهة رسالة التأحيد والتفتيت.

نجتمع اليوم متوجهين بكلامنا للداخل وفي اتجاهات الشرق والغرب ولنصوب الكثير من المغالطات الشائعة التي حورت بعض المفاهيم التاريخية عن جهل أو عن سوء نية.

إلى الداخل نقول: إن اللبنانيين من طوائف أرمنية وسريانية وأشورية وكلدانية هم متساوون مع اللبنانيين من الطوائف السنية والشيعية والارثودوكسية والمارونية.

وجدواعلى هذه الأرض منذ مئات السنين، دير بزمار الأرمني مثلا قائم من سنة 1749. كانوا هنا عند إنشاء لبنان الكبير  فافتخروا بحمل جنسيته ولم يعاندوها ولم يستغلوها بل أغنوها بعرق جباههم وعناء عملهم وسعة معرفتهم فشرفوها حيثما حللو ولم يجرصوها.

رسالتنا الى الشرق واضحة، لا تحور ولا تقبل تحويرا مهينا ولا تلفيقا مشبوها، نحن أبناء هذه الأرض منذ الأزل وإلى الأبد، ولدنا هنا وكبرنا هنا وقاتلنا هنا ومتنا ونموت هنا.

إن حدث أن تشرقنا أو تغربنا اوحتى تعربنا بالجسد إلا أن روحنا وروحانيتنا هي ملك لهذه الجبال والسهول والثلوج والأنهار، لقد كانت وستبقى لبنانية لبنانية لبنانية.

سقط المزورون الذين يدعون بأننا جالية غربية مزروعة هنا كأحصنة طروادة نتحرك كغيرنا بإيحاءات من ضفاف البحار او أعماق الأمصار.

التاريخ الصحيح يشهد جازما بأننا لم نكن يوما (كمان كغيرنا) لا شركاء ولا عملاء لأحد. كنا هنا عندما مر المسيح شرقي صيدا وسنبقى هنا إلى ان يعود الله الواحد فيجمعنا بدون تفرقة على جبل التجلي.

كنا، قاتلنا، وبقينا هنا نبتسم كلما مرت أفواج الغزاة وكلما رفعنا لوحة تذكر بأنهم زائلون ونحن باقون.

نحن قوم يضحى به من جيل لجيل على مذبح المصالح الإقتصادية والسياسية للدول  إرضاء لسلطان او مليك أو فاتح فاتك أو مقابل خطوط حرير وطرق مسير وحفنة قوارير.

وهل ننسى كيف أنه وفي مقابل بضعة أكياس دراهم وقطيع أحصنة باع الغرب المقاتلين المردة السريان الموارنة في اواخر القرن السابع ليتم إجلاء عشرة الاف منهم فاستقبلوا في ارمينيا بحسب ما كتب البطريرك المقدس اسطفان الدويهي. شفتوا، السريان الموارنة والأرمن متحدين بالدم والقضية من قديم الزمان.

إن ورثة روحية الإجرام ما زالوا يحاولون الإجهاز على من بقي من السريان والأشوريين والكلدان في سوريا والعراق وعبر سلخ أراضي الجمهورية الارمينية الشقيقة والحبيبة وقطع الخبز والماء عن كاراباخ.

مرة اخرى صحيح أن المنفذ جار لنا أردناه عزيزا في هذا الشرق لكن أيادي أشرار الغرب ما زالت تعمل وفق اجندات تبعد كل البعد عن حقوق الإنسان والديمقراطية المزيفة. بيوعات لا تحصى ولا تعد ومحاولات لا تتوقف لبيع لبنان.

نعي ونقاوم استمرار ضرب حضورنا السياسي والإقتصادي لتهجيرنا بعدما فشلت الحرب العسكرية بإفنائنا.

إن غياب الدور والحضور هو قضاء على الوجود وليس العكس.

وعدنا لكم أن نتصدى ونواجه ونقاتل بوحدتنا وبوحدة نظرتنا الى المستقبل وبتعلمنا من اخطائنا ومن خطايانا وما أكثرها.

إن السعي للمحافظة على خصوصيتنا هو غنى للبنان لا مصدر تشليع له.

نعم إن وحدتنا الوطنية أساسية ولكنها لا تعني خسارة إرثنا الثقافي وتعدديتنا لصالح مشاريع أممية تستمد روحانيتها وإلهامها حتى لا اقول أوامرها من خارج حدود الوطن الجامع والواحد.

خصوصيتنا هي ملك وجداننا الأبي الذي رضعناه من حليب صدور امهاتنا القديسات. وجدان لا يتغير مع تغير القادة ولا يرضى أن يتأقلم لا مع الضغوط ولا يتحرك لأجل المصالح ولا مع السيف ولا لأجل الضيف الطارئ ولا خوفا من غدرات الزمان.

غني عن التذكير بأن وثيقة الأخوة الانسانية الموقعة في الأزهر الشريف تدعو للمصالحة والتاخي بين جميع المؤمنين بالاديان، لا بل أيضا بين المؤمنين وغير المؤمنين لنبذ العنف البغيض والتطرف الاعمى وتوحيد القلوب المتفرقة والسمو بالانسان. لماذا لا نلتزم بهذه الوثيقة كخط حياة لمستقبل أولادنا؟

إنها تصلح مقدمة لدستور دولة الشراكة والمحبة التي يجب ان نعمل كلنا للوصول اليها.

وفي الختام،

شلومو لكولخن والكولهون صوده ارمينوي سوريويي ومورونويي دعناد ميتول يشوع مشيحو. مريو نحاسي لهون ونفاريخ لخون والليفنون طورو قديشو.

آمين

Share This